صباح لا يشبه بقية الصباحات.

محمد نشوان
مراكش
خبر عاجل
صباح لا يشبه بقية الصباحات ، هيجان في الشارع العام ، هتافات تسمع من بعيد، هو الموج البشري قادم ، هي الثورة آتية لا ريب فيها ، تقترب
الأصوات والأقدام.
فتح حاسوبه ، وبريده الإلكتروني ، اطلع على حسابه الفايسبوكي وبدأ في كتابة تعليقاته الساخرة مع عبارة أحب وأشارك …ترك عالمه الصغير هذا ، ونزل إلى الساحة الكبرى ، ساحة الشهداء ، وكان شاهد عيان لحالة الشارع العام وحالة البلاد والعباد ، شعارات مدوية وجريئة تطالب الحاكم بالرحيل ، ودون مقدمات، انخرط مع المحتجين ، وبدأ يلتقط كل صغيرة وكبيرة ويدونها في مفكرته الصغيرة ، مع إضافة بعض التوابل اللغوية حتى تصير سهلة الهضم …
من عادته الإهتمام بالتفاصيل المملة لدرجة ينسى معها أن الشيطان يختبئ دائما في التفاصيل ، تذكر قولة أعجبته رغم أنه لا يعرف مصدرها ، نحن شعب لا نتقدم إلا في السن .
شعارات بكل الأشكال والألوان ، وتنظيم شعبي أبهر الكل ، أسر بكامل أفرادها تفترش الأرض ، وتقتسم الحلو والمر فيما بينها ، منظر يبعث على الدهشة والرهبة …
حركات من كل الأطياف ، يسارية ، يمينية ، مسلمة ، مسيحية . الكل إنصهر في دائرة واحدة ، جمعهم حب الوطن ، رغيف الوطن ، تراب الوطن وحدهم الألم والنيسان والمرارة و التهميش.
جموع لم ترهبها غضبة الحاكم ولا خطاباته المتكررة ، كان لحظتها أشبه بمومس تحاول خداع عشاقها ببكارة اصطناعية ، لكن فات الأوان !
اندس صاحبنا وسط المحتجين بشكل لا إرادي ، انقطع حبل تفكيره ، أمواج بشرية حملته مرغما دون أن يعرف وجهته ، قامته الصغيرة لا تسمح له برؤية واضحة ، ليعرف المكان الذي يقصده الجميع .
طلقات الرصاص المطاطي ثم الرصاص الحي ، تجعل الناس تهرول في كل الإتجاهات ، الحاكم يخاف من تقدم المحتجين ، يرسل الخطاب تلو الآخر ، يجمع شرذمة وزرائه ، يبحثون عن الحل، عن حبل نجاة ، تعديل وزاري ، تعديل دستوري ، ثم ماذا بعد .
كل القنوات التلفزية والمحطات الإذاعية وجدت مادة دسمة تشغل بها الرأي العام، خبراء ، محللون ، مصورون ، شهود عيان ، وصاحبنا شارد وسط هذا الكرنفال الشعبي ، لا يفكر في الغد ، بل هو ابن اللحظة .
يعلم جيدا أن ليس بينه وبين الحاكم عداوة ، رحل الحاكم أو لم يرحل فهذا لا يهمه ، كلهم متشابهون هذا ما يقوله في خيال ، من حين لآخر يستشهد بالقول المأثور : ليس في القنافذ أملس
تتغير الأسماء ، تتغير الشخصيات ، أما دار لقمان فتبقى على حالها …
يزداد ضغط الجموع ، ويريد صاحبنا الخروج والإنعتاق حتى لا يقع في المكروه، لكن المكروه آت لا محالة ، ضغطه عال ، ونبضات قلبه سريعة ومسموعة ، بدت نهايته وشيكة ، وما هي إلا لحظات قليلة حتى كانت الأقدام ترفس جسده النحيل ، وعيناه شاخصتان ن إلى السماء وكأنهما تناجيان رب العالمين ، وقد وجدت في جيبه مفكرة كتب في صفحتها الأولى :
عندما يستبد بك الألم
وترى الوجود ظلام
خذ ورقة وقلم
واجعل من دمك الطاهر حبرا
ومن دمعتك البريئة عطرا
تألم ولا تتكلم
فمن المعاناة نتعلم !
وفي صفحتها الثانية قولة لتشي غيفَارا: الثورة يصنعها الشرفاء ويرثها ويستغلها الأوغاد …



