مقالات واراء

حين يكون التغيير سلوكاً قبل أن يكون جغرافياً

هند جوهري

​«ستهاجرون إلى أوربا، و تلتزمون بالقانون ولا ترمون أعقاب السجائر على الأرض .. ولا تدخنون في الأماكن العامة، و تعبرون من الأماكن المخصصة للعبور، وسيكون لديكم حس أمني حتى لو سرقت قطة من أمام نافذتكم، ستبلغون الشرطة، ستلبسون حزام الأمان عند قيادة السيارة وتضعون مقعد خلفي لأطفالكم، وتقفون في الطابور حتى لو بلغ كيلومتر، وعندما تحصلون على الجنسية الأوربية و تنتخبون من يمثلكم ستبحثون عن تاريخه و ماضيه و مهنيتهم، لو فعلتم كل هذا في بلادكم لما كنتم قررتم الهجرة.».

​تضعنا هذه المقولة الشجاعة للملك الحسن الثاني رحمه الله أمام مرآة صادقة تكشف ازدواجية صارخة في سلوك المواطن؛ حيث ينكشف العيب الأساسي في ربط التحضر والمواطنة بالمكان الجغرافي لا بالمبدأ الأخلاقي. إن التحليل العميق لحديث جلالته يضع إبهامه على الجرح النرجسي الذي نعانيه: ينضبط ابن الوطن في أوربا كالساعة، يُجلّ القانون، ويحترم حق غيره، بينما يبيح لنفسه في وطنه أشكالاً من الاستهتار والتخريب تعطل عافية المجتمع وتُجهز على مقومات عيشه.

​تتجلى هذه الإزدواجية في أدق تفاصيل حياتنا الشارعية والاجتماعية، فالسائق الذي يتجاوز ممر المشاة ويستكثر وضع حزام الأمان في شوارعنا هو نفسه الذي يمتثل للسرعة بالسنتيمتر بمجرد نزوله في الموانئ الأوروبية، واليد التي تطرح النفايات وتُخرب الممتلكات العامة في الحدائق والحافلات الوطنية، هي ذاتها التي تبحث في الغربة عن أقرب سلة مهملات احتراماً لنظام استكثرته على بلدها، نرى في وسائل المواصلات العامة لدينا زحاماً وتجاهلاً للمرأة الحامل والشيوخ والعجزة وذوي الهمم، بينما يتسابق ابن الوطن في مجتمعات الهجرة لإفساح الطريق وإبداء أقصى درجات اللباقة والتحضر تجاه المرأة والأطفال وكبار السن، في انفصام أخلاقي محزن.
​ولا تتوقف المأساة عند حدود السلوك الفردي البسيط، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد والتماسك الاجتماعي. إن أكل المال العام، والسرقة في الشوارع، ونشر الزبونية والمحسوبية على حساب الكفاءة والدراسة والتحصيل العلمي، هي الخيانة العظمى الحقيقية لروح الوطن، هذه الآفات هي التي فرغت الخزائن، وسرقت رزق المواطن البسيط حتى لم تجد أجيال كاملة ما تأكله، وخبرت الشباب بطالة جائرة جراء تقديم “المعارف” على الاستحقاق. ثم ترى العجب حين يهاجر الشاب نفسه إلى الغرب، فيقدس العلم والتكوين، ويحارب الفساد والإفلات من العقاب، ويسارع للإبلاغ عن أي تجاوز يمس المال العام أو الأمن!
​إن هذا النقد الذاتي الواجب يضعنا أمام الحقيقة المرة التي أشار إليها الخطاب الملكي.

لو أننا حاربنا المحسوبية بالنزاهة، وصنّا الممتلكات من التخريب، وحمينا المال العام من النهب، واستثمرنا نفس طاقة الانضباط والوعي الإنساني تجاه الضعيف والكبير في مدننا، لبنينا الوطن الذي نحلم بالهجرة إليه، بناء الدولة القوية لا يبدأ بالهروب نحو مجتمعات جاهزة، بل بخلع جلباب التناقض، وممارسة المواطنة الصادقة وحماية حقوق الجميع على أرضنا أولاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock