كلام هادئ في جو ملتهب: الولادة القيصرية لمشروع القانون الجنائي

د. نور الدين الوكيل / رئيس قسم الشؤون القانونية
ندرك انه لا يكفي الزجر لمعالجة جميع الإشكالات المتصلة بموضوع الجريمة لأن الوسائل التي يجندها القانون غير صالحة لمعالجة اليأس فرديا كان أو جماعيا.
وتِؤكد ظاهرة الإنتحار بأن القانون لا يستطيع تقديم الأجوبة الملائمة عندما يبلغ اليأس درجة يتحول معها الفاعل إلى ضحية .
كما ندرك انه حتى ان كانت حقوق الإنسان اليوم تنتمي بشكل صريح للنظام القانوني العولم فان هذه المبادئ لازالت تستند الى القيم التي تحيل على الحقل الفلسفي و الأخلاقي و الروحي منبع للقناعة وترتبط بصفة خاصة بالضمير الشخصي و الجماعي .
ومن خلال ذالك يبدو انه علينا إذن الإنطلاق من القيم في اتجاه القانون .
لأول وهلة يظهرأن الإنطلاق من القيم أو بالأحرى من الأخلاق هو التوجه الصحيح ، ثم نبدأ ببناء القيم ثم نعكسها على المجال القانوني .
وقد أكد دوركهايم على أهمية الدور الذي يلعبه القانون الجنائي في الإعتراف بالقيم الأساسية للمجتمع ولكنه راهن على المستوى الوطني لضمان الإعتراف بها و حمايتها .
واليوم نلاحظ موقفا مشابها لدى مختلف القوانين المقارنة إذ نظرنا إلى الأجوبة المخصصة لبعض المواضيع المتصلة ببداية الحياة ( الإجهاض) أو نهايتها ( القتل بدافع الشفقة ، الإنتحار) .
فقد نلاحظ غياب الإتقاق بين الأنظمة القانونية للبلدان المكونة للمجموعة الأوروبية التي تعتبر نموذجا لتطبيق مبادئ حقوق الانسان حول هذه المواضيع و حول مكانة الدين في الدساتير ، وهكذا نرى أن فرنسا تفصل بين الدين و الدولة و أنها وسعت كثيرا مجال إباحة الإجهاض مثلا في حين لازالت بعض الدول كالنمسا تحرم بعض الأفعال المخالفة للدين الرسمي للدولة و أن القوانين الإيرلندية و البولونية تجرم الإجهاض و لا تسمح به إلا في حالة الضرورة. وفي أمريكا يعتبر الإجهاض موضوع خلاف دائم يدفع الساسة الى تفادي اتخاذ الموقف منه . اما الكنيسة بتلاوينها فهي ترفض الاجهاض من حيث المبدا .
استحضرت هذه الافكار عندما قرات في وسائل الاعلام هذه الفترة ان السيد وزير العدل
شدد على أنه سيفعل “كل ما يتعين فعله” لإخراج القانون في صيغة مناسبة. مع تأكيده انه
يعتبر أن القانون الجنائي “قانون دولة”، وليس “قانون حكومة”؛ موضحا أن هذا القانون “ليس مثل أي قانون آخر تأتي أي حكومة وتغيره وفق هواها، أو تلغيه حتى”.
ثم قال انه يخطط لتغيير بنود مثيرة للجدل في القانون الجنائي، مثل تلك المتعلقة بجرائم الخيانة الزوحية، والإجهاض، والاغتصاب، لكنه، وبعدما انتقد النصوص المسطرية الخاصة ببعض هذه الجرائم، لم يقدم صورة واضحة عما سيقترحه بديلا.
ولكن هذا المشروع الذي يقول عنه وهبي نفسه عن حق انه مشروع دولة وليس مشروع حكومة فقط لمساسه بالقيم الأساسية للمجتمع المغربي من جهة والى تطلعه للالتزام بما وافق عليه المغرب من اتفاقيات دولية لحقوق الانسان . فهذا المشروع يرى البعض ان عليه تكريس المساواة بين الرجل والمرأة، والدفاع عن حقوق “الأقليات الجنسية”، وغيرها من مطالب الحركة الديمقراطية والحقوقية عموماً؛ في حين يرى البعض الاخران عليه عدم الخروج عن “قيم” المجتمع و”الحفاظ على التقاليد”، و”الاصلاح في إطار المرجعية الدينية” وعدم المسّ بالقضايا “المحسوم فيها شرعياً”، وبينهما اراء ومواقف أخرى انتقائية متعددة .
مما جعل المواضيع “الشائكة” التي تشكل موضوع نقاش حادّ، هي كل ما يتعلق بالحريات الفردية ، هذا المطلب الذي رفعه حقوقييون ووقف ضدّه المحافظون، وخصوصاً موضوع العلاقات الرضائية، ب “رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائية خارج إطار الزواج”، بإلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي. ضف اليها الإفطار العلني في رمضان وزعزعة عقيدة مسلم الى غيرها من المواضيع التي تتماهى صياغتها بين القيم والاخلاق والدين والقانون .
اللذين يرون ان ، هذا التوجه لا يمكن قبوله على اعتبار أن “الأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع ومثل هذا التعديل قد يذهب في اتجاه تفكيك هذه المؤسسة، بالإضافة إلى اشاعة الفساد الأخلاقي داخل المجتمع، وهذا منافي لقيم المغاربة وتقاليدهم وأعرافهم ودينهم”،
فهل يمكن ان تتم هذه الولادة القيصرية باستنفاذ المساطر وميلاد هذا المشروع . بعد انتهاء البوليميك السياسي الذي اثير حول الاثراء غير المشروع الذي لم يكن العقدة الاساسية الا اذا اراد له الفاعلين السياسيين ذالك .
فمسودة مشروع القانون الجنائي الجديد تضمنت عددا كبيرا من التعديلات والاضافات المدخلة على القانون الجنائي المطبق ويجب ان يكون اغلبها موضوعا خصبا للنقاش العام، ليس فقط من طرف من طرف عموم الفاعلين، وذلك لكون القانون الجنائي يهم مجموع المواطنين و يمس مباشرة أمنهم واستقرارهم وحريتهم وقيمهم ويسعى الى حماية المجتمع والدولة .
ولاشك أن طرح مسودة مشروع القانون الجنائي للنقاش، هي مناسبة للتفكير في السياسة الجنائية الوطنية وتحديدا سياسة التجريم و العقاب، والتساؤل عن فلسفتها، وعن منطلقاتها وأهدافها، وهي أمور قلما كانت محل نقاش وطني وتداول رصين بين مختلف الفاعلين.
فمسودة المشروع شملت مواد مهمة اهمها التنصيص على العقوبات البديلة
هذه العقوبات البديلة التي بقدرما ستضخ مبالغ مهمة في خزينة الدولة، فإنها ستساهم في التخفيض من معضلة مؤرقة تتعلق باكتظاظ المؤسسات السجنية.
ومنها العمل لأجل المنفعة العامة، والغرامة اليومية وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية للمدانين علما انه لن يستفيد من هذا التخفيف مرتكبوا جرائم الإختلاس والغدر والرشوة وإستغلال النفوذ والإتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية والأعضاء البشرية والإستغلال الجنسي للقاصرين .
د.نورالدين الوكيل



