سيكولوجية المدمن … اضطراب أم انحراف؟

د.نورالدين الوكيل / رئيس القسم القانوني للجريدة
هل الإدمان مرض؟ أم مشكلة تتعلق بالصحة العقلية ويمكن السيطرة عليها؟
هل الإدمان مجرد خيار؟ أم بناء اجتماعي؟
طبقا للمعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات (NIDA)، الذي يمول الأبحاث حول الإدمان، على الصعيد العالمي، فإن الإدمان أحد أمراض الدماغ الناجمة عن تغيرات محتملة طويلة المدى في بنية ووظيفة الدماغ.
لكن هل هذا في حد ذاته كافي للتوصل إلي طرق علاجية لمساعدة الأفراد الذين يتعاطون المواد المخدرة؟ هذا ما سنحاول اكتشافه عبر هذه السطور.
الأمن النفسي:
يتعامل الأمن النفسي مع الإدمان على المخدرات من زاوية نفسية، أي ينظر إلى متعاطي المخدرات كحالة إنسانية، إذ يعنى بالتركيز على الجوانب الأكثر ارتباطًا بالسلوك الشخصي للمدمن ومتعلقاته الاجتماعية والثقافية والشخصية والبيئية، فطبقا للتعريف الأمني النفسي للإدمان أنه حالة ارتباط سيكوسوماتية (نفسية عضوية) بين الشخص، وأحد المواد البيئية، مما ينتج حالة من حاجة التعلّق بتلك المادة، قد تستدعي التضحية بما عداها. فالإدمان باعتباره تعاطي متكرر من قبل الفرد لمادة عضوية أو نفسية -أي لمواد لها القدرة على التفاعل معه- يحدث حالة من الاعتماد النفسي أو العضوي أو كليهما على هذه المادة، مما يجعله أسيرًا لها –أي يصعب فكاكه منها- فيحتاج إلى عملية علاج اكلينيكي وسريري له.
أنواع الإدمان:
للإدمان نوعان؛ أولهما الإدمان النفسي وهو ما اعتبره العلماء أنه موقف يوجد فيه شعور بالرضا مع دافع نفسي يتطلب التعاطي المستمر أو الدوري لمادة نفسية بعينها لاستثارة المتعة أو لتحاشي المتاعب. والنوع الآخر وهو الإدمان العضوي ويعتبره العلماء أنه حالة من التكيّف العضوي، تكشف عن نفسها بظهور اضطرابات عضوية شديدة في حالة انقطاع وجود مادة نفسية معينة، أو في حالة معاكسة تأثيرها نتيجة لتناول عقار مضاد.. وتعرف هذه الأعراض بأعراض الانسحاب. ويعتبر الإدمان العضوي عاملًا قويًا في دعم الإدمان النفسي.
نظرية الإدمان:
تذهب مدرسة التّحليل النّفسي أن ظاهرة الإدمان ترجع إلى اضطراب علاقات الحب في الطفولة بين المدمن ووالديه؛ وهذا الاضطراب يتضمن ثنائية العواطف، الحب والكراهية للوالدين في نفس الوقت كمشاعر مزدوجة، فيتم نقل هذا الازدواج كإسقاط على المخدر، ويصبح المخدر رمز لموضوع الحب الأصلي الذي كان يمثّل الخطر والحب معا، مما يسبب شعورًا مستمرًا بالتهديد والاكتئاب النابع من الإحساس بالفشل والإحباط فيولد لدى المدمن مشاعر عدوانية، وهذا الفشل الذريع الذي يسقطه المتعاطي على المخدر نظرًا لاضطراب نموه النفسي الجنسي وتثبيت الطاقة الغريزية في منطقة الفم، فيلجأ المدمن لتفادي الشعور بالعجز والسلبية وعدم القدرة على تحمل التوتر النفسي، والألم والإحباط للمخدر كحل لعدم استطاعته الوصول إلى الإشباع من خلال القنوات العادية.
سيكولوجية الإدمان:
مدرسة التحليل النفسي ترى بأن سيكولوجية الإدمان تقوم على أساسين، الأول وهو الصراعات النفسية التي ترجع إلى الحاجة إلى الإشباع الجنسي النرجسي الذي يرجع أساسا إلى اضطراب علاقات الحب والإشباع العضوي. والحاجة إلى الأمن، والحاجة إلى إثبات الذات وتأكيدها، والثاني وهو الأثر الكيميائي للمخدر الذي يميز مدمني المخدرات عن غيرهم، وبذلك فإن الأصل في الإدمان وطبيعته يرجعان إلى التركيب النفسي للمريض الذي يحدث حالة الاستعداد، ومن ثم يأتي الدور الذي يلعبه آثار المخدر الكيميائية وخواصه.
الإدمان بين التعلّق والاعتمادية:
هناك علاقة وطيدة بين السمات الشخصية والعادات الإدمانية، وتعد الشخصية الاعتمادية من ضمن أكثر الشخصيات التي يصعب خروجها من دائرة الإدمان، فالمصاب باضطراب الشخصية الاعتمادية يتميز بالحاجة المفرطة للعناية والرعاية، فهم معتمدون بشكل كبير على الآخرين في تلبية احتياجاتهم، بالإضافة لخوفهم الدائم من الانفصال، حيث يعاني مريض الشخصية الاعتمادية من حالة فراغ داخلية مستمرة ولا يكون لديه الاهتمام إلا بالأمور العابرة وتراه دائمًا ينفذ تعليمات وقرارات الآخرين وأيضا لديه ثقة كبيرة بهم ويستمد منهم وجوده، وبعضهم يلجأ للمواد المخدرة لإشباع احتياجاته العاطفية والنفسية، مما يجعل من المستحيل خروجه من دائرة الإدمان إلا إذا خضع لعلاج نفسي سلوكي حتى يستطيع تنحية العواطف جانبًا، وتعزيز ثقته بنفسه، والضغط عليه لقيام بأموره وتحمل النتائج، ومن الممكن كما قال الأطباء أن يستطيع تحمل المسئولية تدريجيًا ويتعافى من الإدمان.
ترى مدرسة التعلم الاجتماعي أن الإدمان يرجع إلى التقليد والنمذجة؛ فالإدمان خلالها هو عملية بناء علاقة مرضيّة بين جهتين: الإنسان والموضوع الإدماني. وهذه العلاقة تأخذ وقتا حتى تتطور. وكل مدمن لديه طريقته الخاصة في تطوير هذه العلاقة، وذلك يتوقف على طبيعة الشخص (جسدًا وعقلًا)، وكذلك طبيعة الموضوع الإدماني. وهناك أيضًا عدة نظريات تطرح آراء مختلفة لأسباب الإدمان كنظرية “الجشطالت” والتي تقول بأن أسباب المشكلة ترجع الى أسلوب رعاية الوالدين، وتأخذ عدة أشكال كنقص الوعي، ونقص في تحمل المسؤولية، وفقدان الاتصال مع البيئة، والأعمال غير المنتهية، وأيضا التجزئة أو الضياع وهي تقود إلى سلوك قهري عند الفرد، وإلى الشعور بالقلق وانهزام الذات. وهناك النظرية الوجودية التي تعد المدمن غير موجود لأنه لم يقم برسالته في إثبات وجوده، ويسيطر عليه القلق الوجودي، وقلق الموت، وعدم الإيمان بالذّات الرّوحانية التي خُلق بها الإنسان لسيطرة الأنا المدمنة عليه، وأخيرًا نظرية النظم التي ترى أن المدمن مظهر من مظاهر نظام أسري غير سوي أي مفكك، أو أسر تعاني من اضطراب لأكثر من جيل.



