
مكتب أكادير / هشام الزيات
احتضنت قاعة الإجتماعات بغرفة التجارة والصناعة والخدمات بأكادير، مساء أمس الجمعة 5 دجنبر الجاري، محاضرة فكرية متميزة نظمها النادي الجهوي للصحافة بسوس ماسة، تحت عنوان: “أشكال حضور الفكر السوفسطائي في الإعلام المعاصر”، أطرها الباحث والأستاذ الجامعي “عبد اللطيف بوزيت البعمراني” .
افتتح اللقاء بكلمة رئيس النادي الجهوي للصحافة، الأستاذ “السعودي العمالكي” رحب فيها بالحضور، مستحضراً السياق العام الذي يندرج ضمنه هذا النشاط، ومذكراً برهان النادي على الانفتاح على مختلف الفاعلين والباحثين في مجالات الإعلام والفكر والمعرفة .
وبعد ذلك، قدم الأستاذ البعمراني عرضاً فكرياً غنياً، لامس من خلاله عدداً من المحاور المتقاطعة، بدءاً من مفهوم السوفسطائية وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي والصحافة الزائفة، وأوضح في مستهل مداخلته أن السوفسطائيين لم يكونوا يعتمدون على البرهان العقلي كما يفعل الفلاسفة، بل على الخطابة والبلاغة كأدوات مركزية للتأثير والإقناع، هذا المنطق – يضيف المتحدث – يجد امتداداً واضحاً اليوم في بعض أشكال الممارسة الإعلامية، التي تفضل الإقناع على البحث عن الحقيقة .
وأشار البعمراني إلى أن أولوية الإقناع على الحقيقة والنسبية والخطابة بدل البرهان، إلى جانب المنفعة والربح بدل المعرفة والفضيلة، تعتبر من أبرز أوجه التقاطع بين الفكر السوفسطائي والإعلام المعاصر، وهو ما يجعل جزءاً من الصحافة اليوم ينزاح نحو صناعة التأثير أكثر من اشتغالها على التحقق والموضوعية .
وتوقف المحاضر عند الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي التوليدي، القادر على إنتاج أخبار وصور ومحتويات كاملة بواقعية مدهشة، تجعل التمييز بين الحقيقي والمصطنع مهمة شاقة حتى على المتخصصين، وفي السياق نفسه، اعتبر أن الصحافة الزائفة لم تعد مجرد شائعات عابرة، بل تحولت في بعض الحالات إلى مشاريع إعلامية منظمة، تستعمل تقنيات متقدمة لخدمة أجندات سياسية أو اقتصادية أو إيديولوجية .
وأكد أن التحكم في الرأي العام أصبح أكثر سهولة بفضل تكنولوجيا تستهدف الجمهور برسائل مصممة بدقة، ما يجعل “الحقيقة” قابلة للتشكيل والتخصيص وفق ما يناسب كل فئة، وهو ما يشكل خطراً على الوعي الجماعي .
وفي ختام عرضه، قال الأستاذ البعمراني: “من زاوية فلسفية، يمكن القول إننا نعيش مرحلة ما بعد الحقيقة، حيث لم تعد الحقيقة قيمة في ذاتها، بل أصبحت وسيلة للإقناع أو للهيمنة على الوعي. وإن لم نطوّر آليات تحقق رقمية وأخلاقيات إعلامية صارمة، فقد نجد أنفسنا نعيش داخل عالم إخباري افتراضي، تصنعه خوارزميات لا ضمير لها” .
وبهذا اختتمت محاضرة غنية فتحت نقاشاً عميقاً حول مستقبل الإعلام في زمن تتجاوز فيه التكنولوجيا حدود الخيال، وتعيد تشكيل العلاقة بين الحقيقة والجمهور بشكل غير مسبوق .



