مدرسة بلا خوف: بين مذكرة الداخلية وقلق أولياء الأمور حول خطف الأطفال

ذة : هند جوهري
تُعدّ المؤسسة التعليمية فضاءً آمناً في الذاكرة الجماعية للمغاربة، لكن حالات اختفاء أو اختطاف الأطفال في الآونة الأخيرة جعلت من المدرسة مسرحاً للقلق لا للطمأنينة. في هذا السياق، أصدرت وزارة الداخلية مذكرة تعميمية توجه إلى المؤسسات التعليمية عبر مختلف الأقاليم، تدعو فيها إلى تكثيف المراقبة داخل محيط المدارس وحول منافذ الدخول والخروج، مع التشديد على عدم السماح للتلاميذ بمغادرة أسوارها إلا برفقة أولياء موثوق بهم أو أشخاص مفوضين رسمياً. تأتي هذه المذكرة كخطوة تمهيدية ضمن سلسلة تدابير استباقية تهدف إلى إحكام الحماية الأمنية حول الطفل داخل الفضاء المدرسي وخارجه، في ظل تسجيل عدد من حالات اختفاء أو اختطاف أطفال بمدن مختلفة من المغرب خلال الأشهر الأخيرة.في محاولة لفهم طبيعة هذه المذكرة، اتصلت جريدة “يومية المساء” بعدد من مديري مؤسسات تعليمية بمختلف المدن، فنفوا توصلهم بوثيقة رسمية من وزارة الداخلية بهذا الشأن.

ويطرح هذا الأمر إشكالاً جوهرياً حول تماشي الخطوات الأمنية المركزية مع الواقع التربوي الميداني؛ فالمذكرة، إذا كانت غير موثقة بالتلقي الرسمي في الميدان، تصبح مجرد “هالة إعلامية” قد تُستغل لطمأنة الرأي العام، في حين تستمر مؤسسات التعليم في العمل بحسب البروتوكولات الداخلية التي تضعها الأكاديميات أو المديريات الإقليمية. وهكذا يظهر فرق بين “السياسة الأمنية” على مستوى الوزارات، و”السياسة التنفيذية” على مستوى المدارس، حيث تبقى الحماية غالباً مسؤولية فردية على عاتق المدرسة والأسرة معاً، دون إطار مشترك واضح ومدروج في قرار رسمي يُعمم على كل مدرسة، واقعياً، تشهد بعض المدن المغربية، خصوصاً الكبرى والمناطق الريفية، تسجيل حالات اختفاء أو اختطاف أطفال في أعمار متفاوتة، تُحلّ غالبيتها في غضون ساعات أو أيام، لكنها تترك أثراً نفسياً عميقاً على الأسر والمجتمع. ففي مراكش، مثلاً، تم تسجيل حالات فرار أو اختفاء نزلاء من دار رعاية للأطفال عبر محيط مؤسسة تعليمية، ما دفع الفعاليات المحلية إلى تسليط الضوء على هشاشة منظومة الحماية داخل المؤسسات الاجتماعية والتعليمية، ودقّ ناقوس الخطر حول ثغرات قد يستغلها أشخاص مجهولون يستهدفون الأطفال أثناء التنقل بين البيت والمدرسة أو بين الدور والمؤسسات التعليمية. كما تظهر بعض التقارير الأمنية أن الشارع المحيط بالمؤسسات التعليمية في بعض الأحيان يُستغل كممر سهل للوصول إلى الأطفال، خصوصاً عند مغادرتهم للمدرسة في أوقات مزدحمة وغياب مراقبة منظمة ومشدودة.من الملفت أن المذكرة الأمنية تركز على دور الأمهات وأولياء الأمور في التوعية، وهو ما يعكس انتقال جزء كبير من عبء الحماية من المؤسسة التعليمية والدولة نحو الأسرة. فالآباء والأمهات مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن يكونوا “أول خط أمني” لطفلهم؛ من خلال التأكد من معرفة ساعات الدخول والخروج من المدرسة، ومن توقيع أي مستندات تسمح لأشخاص غير الوالدين باستلام الطفل، وتحديد مسارات ثابتة للتنقل بين البيت والمؤسسة، مع تجنب الاقتراب من الأشخاص المجهولين أو المركونين في المحيط غير الآمن. كما تدعو المذكرة إلى تكثيف حملات التوعية داخل المؤسسات، من خلال تنظيم لقاءات تربوية واجتماعية تجمع بين مدير المدرسة، وأطر التدريس، وأولياء الأمور، وفي بعض الأحيان ممثلين عن الأمن أو الوقاية المدنية، لشرح مخاطر الشارع وكيفية التعامل مع الأشخاص المشبوهين، مع إبراز أهمية الإبلاغ السريع في حالات الاختفاء.لكن هذا التوجه يبقى محدود الأثر إذا لم يُرافقه ترسانة قانونية وعملية متكاملة. فالقانون الجنائي المغربي يعاقب على جرائم اختطاف الأطفال بعقوبات صارمة، لكن التطبيق يظل مرتبطاً بسرعة تفعيل آليات البحث والتحسيس، وبوجود إطار مؤسسي يُفعّل فوراً عند أول إشارة اختفاء. في بعض الأنظمة الأجنبية، يتم إطلاق “مخطط إنذار وطني” لاختفاء الأطفال يشارك فيه الإعلام، والشرطة، والمجتمع المدني، خلال ساعات قليلة من الإبلاغ، مقابل حاجة النظام المغربي إلى تطوير مثل هذا المخطط، بحيث يُفعّل عبر خط أخضر موحد، وتعميم صور الأطفال المختفين فوراً على وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، في ظل احترام صارم للخصوصية والحقوق الفردية. إلى ذلك، تتطلب الحماية مستوى عالياً من التكوين والتوعية للأطر التربوية، فالإدارة المدرسية ليست فقط مسؤولة عن التعليم، بل صارت مطالبة بدور أمني واجتماعي لا تُدرّس له في كتب التدبير.من هنا، يبرز سؤال جوهري: هل تكفي مذكرة داخلية في هذا السياق، أم أن المطلوب هو مشروع وطني شامل لحماية الطفل يجمع بين التعليم، والداخلية، والعدل، والصحة، والمجتمع المدني؟ المدارس لا يمكن أن تتحول إلى ثكنات عسكرية، لكنها يجب أن تبقى فضاءً يُراعى فيه أدنى معايير الأمن النفسي والجسدي للطفل. والأمهات والأباء، في المقابل، لا يمكنهم أن يتحملوا وحدهم عبء المراقبة الدائمة، ما يفرض على الدولة أن تُترجم هذه المذكرات إلى إجراءات ملموسة: تكثيف الحواجز الأمنية في المحيط المدرسي، وتركيب كاميرات مراقبة في المدارس الكبرى، وتنظيم تدريبات مشتركة بين الأسرة والمؤسسة، وفتح قنوات اتصال مباشرة مع الجهات الأمنية في كل حالة يُشتبه في خطرها. فقط حين تتحول “المذكرة” من مجرد ورقة إدارية إلى خطة عمل يومية تُراقب تنفيذها في الواقع، لن تعود المدرسة مكاناً يُهدّده خوف الآباء، بل يُعزّز فيه شعور الطفل بأنه محمي، لا مرتهن لمزاج الشارع أو لحظة خطر.



