ثقافة وفن

ثمانية أيام تصنع مدينة: إقتصاد وذاكرة وراء موسم مولاي عبد الله أمغار

مكتب أسفي؛ فؤاد الياجيزي

على ساحل الأطلسي، قرب الجديدة، لا تُبنى المدن بالأسمنت فقط. فكل صيف، وعلى مدار ثمانية أيام، تنبثق من الرمال «مدينة خيام» تتجاوز 25 ألف وحدة على نحو 120 هكتاراً، لتُشكّل نواة اقتصاد موسمي ضخم يجذب مئات الآلاف من الزّوار، ويولّد حركة تجارية تُقدّر بعشرات الملايير من السنتيمات. هذا هو الوجه الآخر لموسم مولاي عبد الله أمغار، إنه ليس مجرد احتفال روحي وتراثي، بل حركة اقتصادية كبرى، تعيد رسم خريطة التدفّقات المالية والخدماتية في إقليم الجديدة.
بدأ الموسم كموعد قبلي للاحتفاء بالولي الصالح مولاي عبد الله أمغار، حيث مزار الضريح الذي يتوسط فضاء التظاهرة. فمنذ 2005، ومع إدراجه ضمن الاستراتيجية العامة للتنمية الثقافية لإقليم الجديدة، تحوّل الحدث إلى فضاء مؤسَّسي يجمع بين الطقوس الدينية (السَّلْكة، الذكر، المديح) وعروض “التبوريدة” الفروسية، ومعرض مروضي الصقور، وسوق موسمية ضخمة للسلع والخدمات. هذا التحول لم يغير فقط هوية الموسم، بل أعطى انطلاقة لاقتصاد موازٍ يعتمد على الزوار، الخيام، النقل، الغذاء، والترفيه.
ففي نسخة 2026، التي انطلقت منذ 7و إلى 14 غشت، يشارك أكثر من 2140 فارساً ضمن 134 سربة، في واحدة من أكبر تجمعات التبوريدة بالمملكة. هذا الحشد البشري يترجم اقتصادياً إلى:
• إقامة مؤقتة: أكثر من 25 ألف خيمة، تشكل سوقاً موازياً للإيجار والخدمات المرتبطة (فرش، إنارة، مطابخ، مياه… ).
• حركة زوار: تدفّق بشري من مختلف المدن والمناطق حيث ينتعش النقل من سيرات ومركبات خاصة إلى وسائل نقل عمومي:حافلات، شاحنات، مقطورات الجرار وسيارات الأجرة، وحتى خدمات النقل غير الرسمي.
ً • استهلاك يومي: مواد غذائية، مشروبات، ملابس، إكسسوارات تراثية، وألعاب أطفال، تُشكّل دورة استهلاكية سريعة ومكثفة.
•القطاعات الرابحة: من الفرس إلى البائع المتجول
•النقل واللوجستيك: مع إبعاد محطة الحافلات بنحو 5 كيلومترات عن فضاء الموسم، برزت تحديات لوجستية، لكنها أيضاً فتحت فرصاً لخدمات النقل البديل، مما يرفع تكلفة التنقل ويولّد دخلاً إضافياً للسائقين.
•الغذاء والخدمات: أسواق موسمية تبيع كل شيء من الشاي والاسفنج الى عصير البرتقال، بعد مشاوى لحوم الأبقار والاغنام والدجاج والنقانق و(التي تشهد مراقبة صحية مشددة) إلى الوجبات السريعة والشاي التقليدي.
•الفنون والترفيه: عروض التبوريدة، الصيد بالصقور، والحفلات الفنية تجذب الزوار، لكنها أيضاً تخلق سوقاً للصور التذكارية، وتسجيل وتوثيق اللحظات بالفيديوهات، والبث المباشر عبر وسائل التواصل.
وتبقى التحديات ماثلة مما يستوجب تجاوزها، إذ ورغم الفرص الاقتصادية، يطرح الموسم تحديات كبرى من حيث :
البنية التحتية: طرق، كهرباء، مياه، وصرف صحي تُختبر قصورها خلال الذروة، مما يستدعي تدخلاً تقنياً مكثفاً من الشركة الجهوية متعددة الخدمات.
المراقبة الصحية: حجز مواد فاسدة يُظهر حجم المخاطر، وضرورة تعزيز الرقابة لحماية المستهلك.
الأثر البيئي: نفايات، تلوث، وضغط على الموارد الطبيعية يطرح أسئلة حول استدامة النموذج بعد انتهاء الأيام الثمانية.
ومهما يكن فرغم دينامية حركة الاقتصاد، فإن ذاكرة
موسم مولاي عبد الله أمغار ليس مجرد تراث يُحتفل به، بل هو مرآة تعكس قدرة المجتمع المغربي على تحويل الذاكرة إلى مورد اقتصادي. في ثمانية أيام، يُبني اقتصاد محليا كاملا، يُختبر، ثم يُفكّك، تاركاً أسئلة حول كيفية تحويل هذا الزخم المؤقت إلى تنمية مستدامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock