ثقافة وفن

فيلم «التكفير».. من بغداد إلى هوليوود يستعيد قصة إنسانية من حرب العراق

 

من بغداد، في الأيام الأولى لحرب العراق عام 2003، تبدأ حكاية فيلم «التكفير» (Atonement)، للمخرج الأمريكي ريد فان دايك، قبل أن تنتقل بعد سنوات إلى كاليفورنيا، حيث تتحول واقعة وقعت وسط فوضى الحرب إلى حكاية عن الذاكرة والذنب والغفران، وعن أشخاص ظلت الحرب حاضرة في حياتهم حتى بعد أن ابتعدوا عن ساحتها.

يستند الفيلم إلى مقال صحفي للكاتب الأمريكي ديكستر فيلكنز نشرته مجلة «نيويوركر» عام 2012، ويتناول واقعة حقيقية أصابت عائلة خاشاتوريان العراقية الأرمنية المسيحية في بغداد. كانت العائلة قد غادرت منزلها بسبب ظروف الحرب، ثم عادت في وقت كانت فيه المدينة تعيش على إيقاع القصف والاشتباكات. وفي أثناء عبورها شوارع بغداد، وجدت نفسها وسط مواجهة مسلحة بين جنود من مشاة البحرية الأمريكية ومسلحين عراقيين، لتنتهي اللحظة بفقدان ثلاثة من أفراد العائلة.

لكن الفيلم لا يتوقف طويلًا عند لحظة المواجهة نفسها، بل يهتم بما تركته وراءها. فالحرب هنا ليست مجموعة من مشاهد إطلاق النار والمركبات العسكرية، وإنما تجربة تدخل إلى حياة أسرة عادية، وتعيد تشكيل أيامها وذاكرتها ومستقبل أفرادها.

بعد سنوات، يعود الجندي السابق لو داليساندرو، الذي يؤدي دوره بويد هولبروك، إلى تلك الحادثة من موقع مختلف. لم تعد بغداد أمامه مجرد مكان خدم فيه، بل أصبحت ذكرى ثقيلة ترافقه في حياته. وبمساعدة الصحفي مايكل ريد، الذي يؤدي دوره كينيث براناه، يبدأ البحث عن أفراد العائلة الناجين، في محاولة للوصول إلى مواجهة مؤجلة مع الماضي.

وفي الطرف الآخر من الحكاية، تعيش مريم خاشاتوريان، التي تؤدي دورها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مع أثر الخسارة التي حملتها معها من بغداد إلى الولايات المتحدة. وعندما يلتقي الطرفان في كاليفورنيا بعد سنوات، لا يكون اللقاء مجرد مشهد للمصالحة، بل لحظة تضع الماضي أمام أصحابه مرة أخرى، وتترك لكل شخصية أن تنظر إلى ما حدث من موقعها الخاص.

هنا تظهر إحدى أهم نقاط الفيلم: الحرب تُرى من داخل حياة العائلة العراقية، لا من خلال حركة الجنود وحدها. فالعراقيون الذين غالبًا ما يظهرون في أفلام الحروب بوصفهم جزءًا من الخلفية، أو وجوهًا عابرة في شوارع المدن المدمرة، يصبحون في «التكفير» مركز الحكاية نفسها.

وهذا الاختيار يرتبط برؤية المخرج ريد فان دايك؛ فقد أوضح أن الفيلم أراد أن يمنح المدنيين العراقيين مساحة أكبر داخل سردية حرب العراق، وأن ينقل الكاميرا من موقع السلاح إلى الأشخاص الذين تأثروا به. ومن هذه الزاوية، لا تصبح بغداد مجرد موقع لتصوير الحرب، بل مدينة تحمل ذاكرة الشخصيات وتظل حاضرة في قصتها حتى بعد مغادرتها.

وتمنح هذه الرؤية الفيلم بعدًا يتجاوز الدراما الحربية التقليدية. فبدل أن يكون السؤال الأساسي هو من انتصر ومن خسر في لحظة الاشتباك، ينتقل الاهتمام إلى سؤال أكثر إنسانية: ماذا يحدث للإنسان بعد انتهاء اللحظة التي غيرت حياته؟

تلك المسافة بين الحادثة ونتائجها هي التي تمنح «التكفير» ثقله الدرامي. فالجندي يعيش مع ذاكرة ما حدث، بينما تحمل العائلة غياب أشخاص لن يعودوا. وبين الطرفين توجد سنوات كاملة من الصمت والمسافة، لا يمكن اختصارها باعتذار أو لقاء واحد.

ومن الناحية السينمائية، لا يبدو الغفران في الفيلم نتيجة سهلة أو خاتمة مثالية. فهو لا يعيد الزمن إلى الوراء، ولا يلغي الخسارة، ولا يجعل الماضي أقل حضورًا. إنما يظهر بوصفه خيارًا إنسانيًا معقدًا، تتخذه الشخصيات وهي تعرف أن ما حدث لا يمكن تغييره.

وهنا تكمن قيمة العنوان نفسه «التكفير». فالكلمة لا تشير فقط إلى محاولة شخص مواجهة ما فعله، وإنما تفتح سؤالًا أوسع عن معنى المسؤولية عندما يصبح الماضي جزءًا من حياة الآخرين أيضًا. هل يمكن للإنسان أن يصلح شيئًا لا يستطيع إعادته؟ وهل يستطيع الغفران أن يخفف الألم من دون أن يمحو الذاكرة؟

يؤدي بويد هولبروك شخصية الجندي السابق من خلال ثقل الذاكرة ومحاولة الاقتراب من الماضي، فيما تمنح هيام عباس شخصية مريم حضورًا هادئًا يحمل طبقات من الفقد والنجاة. أما كينيث براناه، فيؤدي دور الصحفي مايكل ريد، الذي يشكل حلقة الوصل بين الجندي والعائلة، ويجعل من الصحافة في الفيلم وسيلة للوصول إلى قصة ظلت سنوات بعيدة عن بعضها.

واللافت أن الشخصيات السينمائية تحمل أسماء مختلفة عن بعض الأشخاص الحقيقيين الذين استندت إليهم القصة، فيما ظل أصل الحكاية مرتبطًا بتحقيق فيلكنز الصحفي المنشور في «نيويوركر». كما أن الفيلم يمثل التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرج ريد فان دايك، الذي كتب السيناريو وأخرج العمل.

ومن بغداد إلى هوليوود، لا يقدم «التكفير» حرب العراق باعتبارها حدثًا انتهى بانتهاء العمليات العسكرية، بل باعتبارها تجربة تركت أثرها في حياة أشخاص استمروا في العيش بعدها. وهذا ما يجعل الحكاية أقرب إلى الذاكرة منها إلى الحرب نفسها؛ فالمشهد العسكري ينتهي، لكن أثره يبقى داخل البيوت والعائلات وفي حياة من فقدوا أحبتهم، وكذلك في ذاكرة من شاركوا في تلك الأحداث.

وربما تكمن أهمية الفيلم في هذه المساحة تحديدًا: أن يمنح القصة العراقية وقتًا أطول من لحظة الحرب، وأن ينظر إلى الإنسان الذي بقي بعدها. فحين تنتقل الكاميرا من الشارع الذي شهد الواقعة إلى الوجوه التي حملت آثارها، تتحول الحرب من خبر تاريخي إلى تجربة بشرية يمكن فهمها من أكثر من زاوية.

بهذا المعنى، لا يبحث «التكفير» عن إجابة واحدة بقدر ما يترك المشاهد أمام أسئلة مفتوحة عن الذاكرة والمسؤولية والغفران. وفي قلب هذه الأسئلة تبقى بغداد، لا بوصفها مسرحًا بعيدًا لحدث سينمائي، وإنما مدينة ارتبطت بحكاية عائلة عراقية حملت أثر تلك السنوات معها، حتى وصلت قصتها بعد أكثر من عقد إلى شاشة السينما.

✍️ تمار عامر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock