ثقافة وفن

التهامي حلي (1949–2026): حارس الذاكرة الأسفية

بين الميدان الرياضي والأرشيف التاريخي

مكتب أسفي؛ فؤاد الياجيزي

رحل يوم 20 شتنبر 2026 الأستاذ التهامي حلي، تاركًا وراءه إرثًا نادرًا في توثيق تاريخ مدينة أسفي، لا سيما في شقّيها الرياضي (1900–1956) والتاريخي-الحضاري الحديث. فقد جمع في مساره بين الخبرة الميدانية كأستاذ للتربية البدنية ومفتش نيابي، وبين الدأب الأرشيف كباحث مستقل، ليصبح مرجعًا لا غنى عنه لكلّ من أراد فهم تحوّلات أسفي الاجتماعية والرياضية خلال القرن العشرين.
إن انتقال المرحوم التّهامي من الملعب إلى المكتبة يسرّ مساراً مزدوج التأسيس، فبعد أن وُلد بأسفي سنة 1949، بدأ مساره المهني أستاذًا للتربية البدنية بالمدينة بين 1970 و1990، قبل أن يُعيّن مفتشًا للتربية البدنية بنيابة وزارة التربية الوطنية. لم يكن عمله مقتصرًا على التدريس فحسب، بل امتدّ إلى الممارسة الرّياضية التّنافسية، حيث لعب في صفوف المنتخب الوطني للرّيگبي بين 1967 و1974، وأُختير مرارًا كأفضل لاعب مغربي في هذه اللعبة، قبل أن يتحول إلى تدريبها محليًا.
هذا الانخراط المزدوج—تربويًا ورياضيًا—منحه قربًا استثنائيًا من رواد الحركة الرياضية الأسفية، ومكّنه من بناء شبكة علاقات مع لاعبين وإداريين وشهود عيان من حقبة الحماية، ما سهّل عليه لاحقًا مهمة جمع الشهادات الشفوية والوثائق النادرة التي اعتمد عليها في مؤلفاته.
مشروع عمر: «تاريخ كرة القدم بأسفي 1900–1956»
يُعدّ كتابه «L’Histoire du football à Safi, 1900-1956» (صدر أول مرة سنة 2015 عن المطبعة إلِيت بالرباط، في 283 صفحة) عملًا رائدًا من نوعه على صعيد التأليف الرياضي المحلي بالمغرب. وقد صرّح المؤلف نفسه بأن الكتاب هو «ثمرة 30 سنة من العمل، بين البحث عن الوثائق والأرشيف، وإجراء مقابلات مع الفاعلين الرياضيين، والتحرير».
منهجية مركّبة: بين الأرشيف والذاكرة الشفوية
اعتمد حلي في إنجازه على منهجية تاريخية مركّبة، جمعت بين:
البحث الأرشيفي: في صحف فترة الحماية (1912–1956)، وسجلات الأندية، ومراسلات إدارية.
التاريخ الشفوي: عبر مقابلات مع لاعبين وإداريين وشهود عيان من تلك الحقبة.
التحليل السياقي: بربط التطور الرياضي بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها أسفي تحت الحماية.
وقد قسّم الدراسة إلى خمس فترات عقدية (1900–1920، 1920–1930، 1930–1940، 1940–1950، 1950–1956)، متتبعًا فيها نشأة الممارسة الكروية العفوية ثم المؤسَّسة، وتأسيس نادي «الاتحاد الرياضي الأسفي» (USS) سنة 1920 كأول فريق منظم، وصعوده إلى دوري «الكبار» سنة 1935، ثم إلى قسم الشرف موسم 1949–1950.
شهادات باحثين حول الكتاب
أحمد غيبي، رئيس جمعية حوض أسفي، قال في ندوة تقديم كتاب حلي الثاني (2025): «إن التهامي حلي كتب كتاب “تاريخ كرة القدم بأسفي ما بين 1900 و1956” واستند في إنجازه على الروايات الشفوية أكثر من المكتوبة، وذلك في ظل غياب مؤلفات ودراسات مكتوبة تؤرخ لهذه الحقبة… وأبرز أن هذا العمل لقي ترحيبًا كبيرًا من قبل الرأي العام الرياضي بأسفي، مبررًا أنه يطمح لجعله مرجعًا حقيقيًا للباحثين».
مليكة طيطان، في مقالها بجريدة «حاضرة المحيط»، كتبت: «نملك تاريخ أسفي وكرة القدم من 1900 إلى فجر الاستقلال 1956، ركزوا جيدًا على هذا التاريخ بعد أن أشنف سماع حضور الأسفيين بترنيمة شكر واعتزاز الذاكرة الأسفية الرياضية… فلنرفع له القبعة وننحني احترامًا».
الدكتور منير البصكري الفيلالي، نائب عميد الكلية متعددة التخصصات بأسفي، الذي خصص سلسلة مقالات تحت عنوان «صدى رجالات أسفي في التاريخ»، أشار في حلقاته إلى أهمية توثيق الذاكرة المحلية، معتبرًا أن أعمالًا مثل كتاب حلي تُعدّ «شهادات حية عن فترات تاريخية بعينها من تاريخ المنطقة».
لقد اجتهد الباحث على توسيع الأفق من الرياضة إلى التاريخ الاجتماعي والحضاري
فالمرحوم سي حلّي لم يقف عند حدود التاريخ الرياضي، بل امتدّ بحثه ليشمل أبعادًا أوسع من الذاكرة المحلية. ففي مارس 2025، قدّم كتابه الجديد «Safi et son littoral dans l’histoire proche» (آسفي وساحلها في التاريخ الحديث)، بدعم من جمعية حوض أسفي.
في هذا العمل، استند إلى ثروة من المقاطع الصحفية المنشورة خلال فترة الحماية، لاستعادة تفاصيل الحياة اليومية، والشخصيات المؤثرة، والأحداث الاجتماعية والسياسية التي شكّلت هوية المدينة الساحلية. وقد كشف في ندوة تقديم الكتاب عن «أسرار منسية»، مثل قصة أول ربّانة طائرة مغربية من أسفي، ومصير أمير الملحون الذي نُفي إلى سلا وظلّ مجهولًا لدى أبنائها.
شهادات حول الكتاب الثاني
أحمد غيبي، رئيس جمعية حوض أسفي، قال في كلمته خلال ندوة التقديم: «إن جمعية حوض أسفي أخذت على عاتقها دعم هذا المحتوى الثقافي انطلاقًا من مجهوداتها الذاتية، دون دعم من أي جهة منتخبة أو مؤسساتية… لأن آسفي، حاضرة المحيط، لا يجب أن تكون اسمًا على مسمى فقط، بل يجب أن يتجلى ذلك في تحركاتنا من مختلف الجوانب العلمية والأدبية».
وفي حديثه عن الكتاب، أوضح حلي أنه جاء «لتعزيز المأثور التاريخي» لمدينة أسفي، حيث يتناول 90 موقعًا تاريخيًا، و13 شخصية بارزة، إلى جانب 7 مواقف شخصية، ويهدف إلى تسليط الضوء على الأحداث والأماكن والشخصيات التي كانت جزءًا من تاريخ المدينة لكنها غير معروفة للكثيرين، إضافة إلى تصحيح بعض الأخطاء التاريخية التي انتشرت سابقًا.
هذا أكسب الباحث مكانته في المشهد البحثي المحلي، إذيُنظر إلى التهامي حلي اليوم كـ«محافظ الذاكرة الأسفية»، خاصة في شقّها الرياضي، حيث يُستشهد بعمله كمرجع أساسي في أي دراسة جادة حول تاريخ كرة القدم بالمغرب خلال فترة الحماية. كما أن انفتاحه على التاريخ الاجتماعي والحضاري يجعل من إسهاماته جسرًا بين التخصصات، وبين الأجيال: من رواد الحركة الرياضية إلى الباحثين الشباب المهتمين بالتاريخ المحلّي.
وفي نَعيًه ، كُتب: «ودّعنا اليوم الإطار التربوي والرياضي ومؤرّخ أسفي الأستاذ الجليل سي التهامي حلي… بعد مسيرة من العطاء سواء في الجانب التربوي مفتشًا لمادة التربية البدنية، أو في الجانب البحثي كمؤرخ للذاكرة الرياضية والتاريخية للمدينة».
إنه لإرث يستحق التثمين، أن ترك التهامي حلي وراءه إرثًا نادرًا يجمع بين الدقة الأرشيفية والحياء السردي، وبين الالتزام المحلي والانفتاح المنهجي. فبينما يُعدّ كتابه الرياضي مرجعًا تأسيسيًا في تاريخ كرة القدم المغربية، فإن كتابه الثاني يفتح آفاقًا جديدة لفهم التحولات الاجتماعية والحضرية لأسفي في القرن العشرين.
ويبقى التّحدّي الأكبر اليوم أمام الفاعلين الثقافيين والمؤسساتيين الأسفيين هو تثمين هذا الإرث: بإعادة طبع أعماله، ودمجها في المناهج المحلية، وتنظيم ندوات دورية حولها، ودعم الأبحاث الجديدة التي تبني على منهجيته المركّبة بين الأرشيف والذاكرة الشفوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock