
الزوبير بوحوت
عقب تعيين السيد جلال شرف على رأس وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ضمن الحكومة التي تترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، أتشرف بأن أضع بين يديه، مجموعة من المقترحات والأفكار بشأن الأولويات التي يمكن أن توجه المرحلة المقبلة من تنمية السياحة المغربية. فعلى الرغم من النتائج المشجعة التي يحققها القطاع على مستوى عدد الوافدين وليالي المبيت والمداخيل، لا تزال هناك تحديات هيكلية تحد من مساهمته في خلق الثروة وفرص الشغل وتحقيق تنمية متوازنة بين المجالات الترابية.
ويتمثل الرهان، في تقديري، في تجاوز مقاربة تركز أساساً على المؤشرات الكمية، والانتقال إلى منطق يقوم على خلق القيمة وتحقيق توزيع أكثر إنصافاً للعائدات السياحية. ويقتضي ذلك، على وجه الخصوص، الحد من التركز الجغرافي للنشاط السياحي ومن موسميته، وتعزيز مكانة السياحة الداخلية، ومراعاة قيود القدرة الشرائية وإمكانية الولوج إلى الخدمات السياحية، وتحسين المعرفة بالقطاع وأساليب تدبيره وتوجيهه، فضلاً عن تعزيز النجاعة الترابية للاستثمارات وآليات الدعم، وتطوير الربط الجوي، وتنويع العرض السياحي، والارتقاء بجودة التشغيل واستقراره. ولا تدعي هذه المقترحات أنها تشكل برنامجاً شاملاً، كما أنها لا ترمي إلى الحلول محل التوجهات التي سيعتمدها الوزير الجديد؛ بل إنها تسعى إلى الإسهام بصورة بناءة في النقاش الجماعي حول السبل الكفيلة بتعزيز تنافسية المغرب وجعل السياحة رافعة أقوى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يشكل المسار المهني الغني للسيد جلال شرف رصيداً يمكن أن يساعد على مواجهة هذه التحديات. فخبرته في القطاع الخاص، وداخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، تتيح له معرفة مهمة بقضايا الحكامة والأداء الاقتصادي وتطوير الكفاءات وتحويل المؤسسات. ويمكن لهذه التجربة أن تسهم في تحسين التنسيق بين الاستراتيجيات العمومية والمبادرات الخاصة، ورفع نجاعة تخصيص الاستثمارات، وتعزيز تثمين الرأسمال البشري. ويتمثل التحدي في تحويل هذه المكتسبات إلى توجهات عملية وإصلاحات ملموسة ونتائج قابلة للقياس، بما يرفع العائدات الاقتصادية والاجتماعية للسياحة، ويعزز في الوقت نفسه تنمية أكثر توازناً واستدامة للمجالات الترابية.
وتؤكد النتائج المسجلة خلال السنوات الأخيرة أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في تطوير قطاعه السياحي. فقد استقبلت المملكة سنة 2025 نحو 19.8 مليون سائح، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 14% مقارنة بسنة 2024. غير أن سنة 2026 تشهد تباطؤاً واضحاً في وتيرة نمو الوافدين. فبعد تسجيل ارتفاع بنسبة 20% سنة 2024 و14% سنة 2025، لم تتجاوز الزيادة التراكمية 5% إلى نهاية شتنبر 2026. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يناهز العدد السنوي للسياح 20.8 مليوناً، وهو ما يؤكد استمرار النمو، ولكن بوتيرة أقل بكثير من تلك المسجلة خلال السنتين السابقتين.
ولا يمكن تحليل هذا التباطؤ دون أخذ وتيرة تطور الربط الجوي بعين الاعتبار، باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو السياحي. وقد يسهم تباطؤ وتيرة التعاقد مع شركات الطيران من أجل فتح خطوط جديدة وتعزيز قدرات الخطوط القائمة في تفسير هذا التطور. ذلك أن زيادة عدد المقاعد المتاحة، وتنويع الأسواق المصدرة للسياح، وتحسين الربط بين الوجهات المغربية، عوامل أساسية لضمان استدامة التدفقات السياحية. وفي هذا الإطار، فإن مضاعفة القدرات الجوية المتعاقد بشأنها بين سنتي 2026 و2030 ستتطلب تسريعاً ملموساً للجهود المبذولة، بمعدل نمو سنوي يقترب من 20%. ومن ثم، فإن استعادة زخم هذه الدينامية تبدو ضرورية لمواكبة طموحات القطاع والحد من المخاطر المرتبطة بتباطؤ النمو.
وتكتسي تداعيات هذا التطور أهمية خاصة في ضوء الأهداف المحددة لسنة 2030. فإذا اعتمدنا معدل نمو سنوي متوسطاً قدره 5%، فقد يستقبل المغرب نحو 25.3 مليون سائح سنة 2030، مقابل هدف أولي يبلغ 26 مليوناً، من دون احتساب الأثر الاستثنائي المحتمل لكأس العالم. وبذلك، قد يصل الفارق المتوقع إلى نحو 700 ألف زائر. ولبلوغ هذا الهدف دون الاعتماد على الزيادة الاستثنائية المرتبطة بهذا الحدث، ينبغي أن يقترب معدل النمو السنوي من 5.75% خلال الفترة المعنية، أي بتحسن نسبي قدره 15% مقارنة بفرضية النمو المرجعية المحددة في 5%. وعليه، فإن هدف استقبال 26 مليون سائح ليس بالضرورة بعيد المنال، غير أن تحقيقه يستلزم استعادة وتيرة النمو وتسخير محركات التنمية بصورة أكثر كثافة.
وبعيداً عن الزيادة في عدد الوافدين وحدها، يفرض هذا الوضع إعادة تقييم أدوات السياسة السياحية الوطنية. وينبغي أن يشكل تسريع الاتفاقيات الجوية، وتعزيز الأسواق المصدرة التقليدية، وتنويع شرائح السياح الدوليين، وتقوية الربط بالمجالات الترابية التي لا تزال تعاني ضعفاً في الاتصال، محاور ذات أولوية. كما يتعين تحسين التنسيق بين سياسة الربط والنقل الجوي، واستراتيجيات الترويج، وتطوير تجارب سياحية جديدة، وتعزيز تنافسية الوجهات الجهوية. ويتمثل الرهان في عدم ربط تحقيق طموحات 2030 بالأثر المحتمل لكأس العالم وحده، بل في بناء نمو مستدام يستند إلى قدرات جوية كافية وموزعة بشكل أفضل بين مختلف المجالات الترابية. ومن ثم، فإن القدرة على عكس منحى التباطؤ المسجل سنة 2026 ستشكل عاملاً حاسماً في تقريب المغرب من هدفه المتمثل في استقبال 26 مليون سائح.
ويمكن صياغة السؤال المركزي للمرحلة المقبلة، 2027-2030، على النحو التالي: كيف يمكن تحويل نمو كمي لا جدال فيه إلى نمو سياحي أكثر قدرة على خلق القيمة وفرص الشغل والاستثمار والتنمية الترابية؟ لا يتعلق الأمر بالتراجع عن أهداف زيادة الوافدين، ولا بالتقليل من أهمية التنافسية الدولية، بل باستكمال هذه المقاربة برؤية أكثر صرامة وشمولاً للأداء. فالسياحة الناجحة ليست فقط تلك التي تجذب الزوار، وإنما أيضاً تلك التي تطيل مدة إقامتهم، وترفع مستوى إنفاقهم، وتخلق فرص شغل جيدة، وتتيح للمقاولات المحلية الاستفادة من النشاط، وتحفز الاستثمار، وتمكّن مجالات ترابية متعددة من الاستفادة من النمو.
خارطة الطريق السياحية 2023-2026: ما الحصيلة الفعلية قبل تحديد أولويات 2027-2030؟
قبل تحديد المحاور الكبرى للمرحلة المقبلة من السياسة السياحية المغربية للفترة 2027-2030، يبدو من الضروري إجراء تقييم معمق لخارطة الطريق 2023-2026، لا بالاعتماد على النتائج الإجمالية للقطاع فحسب، بل أيضاً من خلال قياس مدى الوفاء بالالتزامات المعلنة، والتنفيذ الفعلي للتمويلات، والعائدات الاقتصادية والترابية للبرامج التي جرى إطلاقها.
لا شك في أن النتائج المسجلة خلال سنتي 2024 و2025 تبين أن المغرب تجاوز، منذ سنة 2024، الهدف الأولي لعدد الوافدين الذي كان محدداً لسنة 2026، قبل أن يستقبل قرابة 20 مليون زائر سنة 2025. غير أن هذه النتائج لا تكفي وحدها لإعداد حصيلة شاملة لخارطة الطريق. إذ ينبغي التمييز بين الأهداف الكمية التي تحققت، والآليات التي دخلت حيز التنفيذ فعلياً، والتحولات الهيكلية التي لا يزال تحقيقها منتظراً.
ولا يمكن تقييم السياسة السياحية انطلاقاً من عدد الوافدين أو الحجم الإجمالي للمداخيل وحدهما؛ بل يجب أيضاً قياس قدرتها على تحسين الربط بالوجهات السياحية، وإغناء عرض الأنشطة والترفيه، وتحديث الطاقة الفندقية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وخلق فرص شغل مستدامة، وتوزيع العائدات السياحية بشكل أفضل بين الجهات. ولذلك، يتمثل السؤال الأساسي في تحديد ما أُنجز بالفعل، وما لا يزال قيد التنفيذ، وما لم يتجاوز بعد مرحلة الإعلان أو البرمجة.
1. الربط الجوي: قياس القدرات التي أُحدثت فعلياً وأثرها
كان تعزيز الربط الجوي أحد أهم محاور خارطة الطريق. وفي هذا المجال، أُعلن عن تحقيق تقدم قابل للقياس. ووفقاً للمعطيات التي قدمتها وزارة السياحة والمكتب الوطني المغربي للسياحة، تميزت سنة 2025، على وجه الخصوص، بإحداث 80 خطاً جوياً جديداً، وتعبئة أكثر من 12 مليون مقعد جوي، والتعاقد بشأن 14.5 مليون مقعد لسنة 2026. وخلال النصف الأول من سنة 2026، بلغت الطاقة المتعاقد بشأنها للموسم الصيفي 7.74 ملايين مقعد، بزيادة قدرها 13% على أساس سنوي، في حين جرى إطلاق 52 خطاً دولياً جديداً. كما تم تطوير قواعد جوية جديدة في الرباط ومراكش وتطوان.
غير أن هذه النتائج تحتاج إلى تحليل أعمق لأثرها الفعلي. فكم عدد المقاعد التي تمثل زيادة حقيقية في الطاقة الاستيعابية، وكم منها ناتج عن تعزيز الخطوط القائمة؟ وما الاتفاقيات التي أفضت بالفعل إلى تشغيل رحلات منتظمة، ووفق أي وتيرة، وخلال أي فترات من السنة، وبأي معدلات لملء المقاعد؟ وما الأسواق المصدرة للسياح التي أسهمت أكثر في نمو الوافدين؟ وأي الوجهات المغربية استفادت من الخطوط الجديدة؟ كما ينبغي تقييم المساهمة النسبية لشركات الطيران التقليدية، وشركات الطيران منخفضة التكلفة، والشراكات المبرمة مع منظمي الرحلات السياحية.
وتكتسي المسألة الترابية أهمية مماثلة. إذ ينبغي تقييم زيادة الطاقة الجوية في ضوء مستوى الربط بالوجهات التي لا تزال تعاني ضعفاً في الاتصال، ولا سيما المناطق التي تتوفر على مؤهلات سياحية مهمة، لكن الوصول إليها لا يزال صعباً أو مكلفاً. ومن ثم، يتعين نشر حصيلة حسب كل مطار ووجهة، تتضمن الخطوط التي تم فتحها، والأسواق التي يجري خدمتها، والطاقة المتعاقد بشأنها، والمقاعد التي تم تشغيلها فعلياً، والتغيرات المسجلة في أعداد الوافدين وليالي المبيت المرتبطة بها.
فمؤشر النجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في عدد الاتفاقيات الجوية الموقعة، بل في قدرتها على توليد تدفقات سياحية إضافية ومنتظمة، وتوزيعها بشكل أفضل على مجموع التراب الوطني.
2. الترويج والأسواق المستهدفة: تقييم قدرة الحملات على توليد تدفقات سياحية فعلية
يتعلق المحور الثاني بالترويج الدولي والتوزيع والشراكات التجارية. فقد رافق تنفيذ خارطة الطريق استمرار حملة «المغرب، أرض الأنوار»، وتعزيز علامة «Visit Morocco»، وإبرام شراكات مع منظمي الرحلات السياحية ووكالات السفر عبر الإنترنت. وبالنسبة إلى سنة 2025 وحدها، تشير النتائج التي عرضتها السلطات إلى شراكات مع منظمي الرحلات شملت 2.5 مليون مسافر، واتفاقيات مع وكالات السفر عبر الإنترنت تتعلق بنحو 9 ملايين ليلة مبيت.
وتعكس هذه الأرقام الجهود المبذولة في مجال التسويق التجاري، لكنها تستدعي تقييماً أكثر تفصيلاً. إذ ينبغي تحديد عدد المسافرين الذين استقطبتهم هذه الاتفاقيات فعلياً، ومساهمتهم في عدد ليالي المبيت والمداخيل، والتكلفة التي تحملتها الدولة مقابل كل شراكة، فضلاً عن نسبة الحجوزات التي لم تكن لتتحقق لولا هذه التدخلات. كما يجب التمييز بين الأسواق التقليدية التي ينبغي تعزيز مساهمتها، والأسواق الصاعدة التي تتطلب استثمارات ترويجية خاصة، وربطاً جوياً ملائماً، ومعرفة أفضل بتطلعات السياح.
وينبغي بالتالي تقييم التنويع الجغرافي استناداً إلى النتائج المحققة، لا إلى عدد الأسواق المدرجة في خطط العمل فحسب. أما المبادرات الرامية إلى استكشاف أسواق الصين والهند وأمريكا اللاتينية، التي وردت ضمن توجهات المكتب الوطني المغربي للسياحة لسنة 2026، فينبغي تتبعها من خلال مؤشرات دقيقة تشمل تطور أعداد الوافدين، ومتوسط مدة الإقامة، والإنفاق لكل زائر، وموسمية التدفقات، ومدى استفادة وجهات أخرى غير الأقطاب السياحية الكبرى.
ويتمثل الرهان في التحقق من أن الترويج لا يسهم فقط في تعزيز الحضور الدولي للمغرب، بل يساعد أيضاً على تنويع جنسيات السياح وتحسين القيمة الاقتصادية للإقامات السياحية.
3. «كاب هوسبيتاليتي»: كم عدد الغرف التي جرى تجديدها فعلياً؟
يشكل برنامج «Cap Hospitality» ورشاً رئيسياً آخر، إذ يهدف إلى تحديث المؤسسات الفندقية المصنفة وتجديد 25 ألف غرفة. وينص البرنامج على غلاف تمويلي أقصاه 4 مليارات درهم، وقروض تتراوح بين 3 ملايين و100 مليون درهم، وفترة سداد قد تصل إلى اثنتي عشرة سنة، مع تحمل الدولة للفوائد العادية للقرض، شريطة احترام الشروط المحددة. ويستهدف البرنامج، على وجه الخصوص، المؤسسات التي لم تخضع لأعمال التجديد خلال السنوات الخمس الأخيرة، كما يمكن أن يشمل استئناف استغلال المؤسسات المتوقفة، بالتزامن مع تنفيذ برنامج لتأهيلها وتحديثها.
وأفادت الحصيلة المرحلية المنشورة في نونبر 2025 بوجود 91 طلباً مستوفياً لشروط الأهلية، يشمل 14 ألف غرفة، ويرتبط باستثمارات تبلغ 7 مليارات درهم، مع الموافقة بالفعل على نحو ستين ملفاً. وتبين هذه الأرقام أن عدداً مهماً من المشاريع بلغ مرحلة متقدمة من المعالجة، لكنها لا تسمح بالاستنتاج أن الغرف الـ14 ألفاً قد جرى تجديدها، ولا حتى أن جميع القروض المرتبطة بها قد صُرفت فعلياً. فمبلغ 7 مليارات درهم يمثل الحجم الإجمالي للاستثمارات المرتبطة بالطلبات المؤهلة، وليس قيمة الدعم العمومي الذي تم صرفه.
وهذا التمييز أساسي. فمن أجل تقييم برنامج «كاب هوسبيتاليتي» بصورة صحيحة، يتعين على الوزارة نشر لوحة قيادة تفصل بين الطلبات المودعة، والملفات التي ثبت استيفاؤها لشروط الأهلية، والتمويلات الموافق عليها، والقروض التي صُرفت فعلياً، والأشغال التي انطلقت، والغرف التي تم تجديدها وإعادتها إلى الاستغلال. كما ينبغي تحديد عدد المؤسسات التي كانت مغلقة قبل استفادتها من البرنامج ثم أعادت فتح أبوابها بالفعل، إلى جانب عدد فرص الشغل التي تم الحفاظ عليها أو إحداثها. ومن شأن توزيع المعطيات حسب الجهات أن يساعد أيضاً على التحقق من مدى استجابة البرنامج لحاجيات الوجهات التي تعاني تقادم الطاقة الفندقية أو نقصاً في العرض ذي الجودة.
ولذلك، لا ينبغي اعتبار هدف «كاب هوسبيتاليتي» محققاً لمجرد أن عدداً معيناً من الغرف مشمول بطلبات التمويل. فالمعيار الحاسم يتمثل في عدد الغرف التي تم تحديثها فعلياً، وتحسين جودة العرض، وإعادة فتح المؤسسات التي كانت متوقفة، حيثما ينطبق ذلك. وعلى هذا الأساس فقط يمكن تقييم البرنامج باعتباره أداة فعلية لتحديث الإيواء السياحي.
4. «برنامج ݣو سياحة»: تجاوز عدد المشاريع المواكبة إلى قياس الإنجازات الفعلية
صُمم برنامج «Go Siyaha» لإغناء عرض التنشيط السياحي، وتنويع التجارب المقدمة للزوار، ودعم استثمارات المقاولات. وقد رُصد له غلاف مالي معلن يبلغ 720 مليون درهم، وكان يستهدف في البداية مواكبة 1,700 مقاولة سياحية في أفق سنة 2026. ويجمع البرنامج بين عدة أشكال من الدعم، من بينها منح استثمار قد تصل إلى 35% لبعض مشاريع التنشيط السياحي، ومساعدة على الانتقال الإيكولوجي قد تصل إلى 40% للمشاريع المؤهلة، وتغطية ما يصل إلى 90% من تكاليف الخبرة التقنية.
وتظهر الأرقام المنشورة أن البرنامج عرف توسعاً تدريجياً. ففي يناير 2025، أعلنت الحكومة الموافقة على 531 طلباً. وبحلول فاتح يوليوز 2025، ارتفع عدد المشاريع التي تمت مواكبتها إلى ألف مشروع، مع تحديد هدف مُراجع يبلغ 1,300 مشروع بنهاية السنة نفسها. كما تم في يوليوز 2025 توسيع شروط الاستفادة من البرنامج، من خلال إلغاء الحد الأدنى للاستثمار المحدد في مليون درهم، وفتح باب الدعم أمام المقاولات القائمة التي ترغب في تطوير أنشطة جديدة للتنشيط السياحي، وتعزيز المساعدة التقنية منذ مرحلة انطلاق المشروع.
وتشكل هذه المعطيات مؤشرات على حجم النشاط، لكنها لا تكفي لإعداد حصيلة اقتصادية للبرنامج. فمن الضروري التمييز بين المشاريع التي تمت مواكبتها، والطلبات التي حظيت بالموافقة، والاتفاقيات الموقعة، والمنح التي صُرفت فعلياً، والمشاريع التي دخلت حيز التشغيل. كما ينبغي معرفة الحجم الإجمالي للاستثمارات التي أنجزها المستفيدون، ومستوى التمويل الخاص المعبأ، والمدة الفاصلة بين الموافقة على المشروع وبدء استغلاله، وعدد فرص الشغل التي أحدثها. ومن دون هذه المعطيات، يصعب قياس التحول الفعلي الذي أحدثه البرنامج في العرض السياحي.
وتستحق العدالة المجالية اهتماماً خاصاً في هذا الصدد. فالبرنامج يستهدف تغطية جميع الجهات، من دون فرض حصص جغرافية محددة. غير أن هذا الانفتاح لا يضمن، في حد ذاته، توزيعاً متوازناً للاستثمارات.
لذلك، ينبغي أن تتضمن الحصيلة الجهوية، بالنسبة إلى كل جهة وإقليم، عدد المشاريع المدعومة، والمبالغ التي تمت الموافقة عليها وصرفها، والاستثمارات الخاصة التي جرى تعبئتها، والأنشطة التي تم تطويرها، والمشاريع التي دخلت فعلياً مرحلة الاستغلال. وسيسمح ذلك بتحديد ما إذا كان برنامج «غو سياحة» يسهم في بروز وجهات جديدة وإغناء العرض في المجالات الأقل استقطاباً للسياح، أم أن الاستثمارات لا تزال متركزة في الأقطاب الأكثر جاذبية أصلاً.
5. المشاريع الأربعة عشر المهيكلة: من البرمجة إلى الإنجاز الفعلي
تستدعي المشاريع الأربعة عشر المهيكلة التي جرى تحديدها في إطار خارطة الطريق تقييماً خاصاً. فقد كان من المفترض أن تشكل هذه المشاريع تجهيزات كبرى قادرة على تنويع التجارب السياحية، وإطالة متوسط مدة الإقامة، والحد من الموسمية، وتعزيز جاذبية عدد من المجالات الترابية. ومن بين المشاريع التي عُرضت سنة 2023، نذكر على الخصوص إنشاء متنزه ترفيهي بمراكش، وقصر للمؤتمرات والمعارض بالمدينة نفسها، ومتنزه عائلي للترفيه ببوزنيقة، ومركب رياضي بالسعيدية، وإعادة هيكلة محطة أوكايمدن، وتطوير متنزه وطني ذي طابع سياحي بإفران، وإحداث معهد العالم المتوسطي. وقد رُبطت الإعلانات الأولية لهذه المشاريع باستثمارات مهمة وجداول زمنية كان عدد منها يتوقع دخول المشاريع حيز الخدمة قبل سنة 2026 أو خلالها.
غير أن المعطيات المتاحة لا تسمح بإعداد حصيلة موحدة وقابلة للتحقق لجميع هذه المشاريع الأربعة عشر. فقد ظلت المعلومات المنشورة بشأن عدد منها، في مرحلة عرضها الأولي، تشير إلى البحث عن مستثمرين، أو إطلاق طلبات إبداء الاهتمام، أو الحاجة إلى الشروع في الأشغال. فعلى سبيل المثال، قُدم مشروع المتنزه الترفيهي بمراكش في يوليوز 2023 باعتباره استثماراً يقدر بنحو 3 مليارات درهم، مع الإشارة إلى أنه لا يزال في انتظار مستثمر لإطلاق الأشغال. أما قصر المؤتمرات بمراكش، الذي قُدرت كلفته بنحو مليار درهم، فقد ارتبط حينها بجدول زمني تقديري للإنجاز والافتتاح خلال سنة 2025. غير أن هذه الإعلانات الأولية لا تشكل دليلاً على الوضع الحالي لهذه المشاريع.
ومن الضروري، لذلك، نشر تقرير مفصل عن مستوى تقدم المشاريع الأربعة عشر، مع التمييز بين المشاريع التي تم التخلي عنها، وتلك التي لا تزال قيد الدراسة، والمشاريع التي عثرت على مستثمر، وتلك التي استكملت تمويلها، والمشاريع التي توجد في طور الإنجاز، وتلك التي دخلت حيز التشغيل الفعلي. وينبغي أن تتضمن حصيلة كل مشروع كلفته المحينة، وحصة التمويل العمومي والخاص، والصعوبات العقارية أو الإدارية المحتملة، والآجال الزمنية الجديدة، والعائدات الاقتصادية المنتظرة. كما سيكون من المهم تحديد عدد المشاريع التي تجاوزت مرحلة البرمجة الأولية، وعدد تلك التي تسهم بالفعل في إغناء العرض السياحي الوطني.
ويكتسي هذا التقييم أهمية كبيرة، لأن المشاريع المهيكلة ليست مجرد عمليات عقارية؛ بل يفترض أن تولد آثاراً إيجابية متسلسلة على الوجهات السياحية، وأن تساعد على ظهور أنشطة جديدة، وتعزز الجاذبية خارج فترات الذروة، وتسهم في توزيع التدفقات السياحية جغرافياً بشكل أفضل. ولذلك، فإن أي تأخر محتمل لا يقتصر أثره على الجدول الزمني للاستثمارات، بل يمس قدرة السياسة السياحية على تحويل الطموحات الوطنية إلى تجهيزات ملموسة وتجارب جديدة للزوار.
6. الرأسمال البشري والتشغيل وجودة الخدمات: قياس النتائج الاجتماعية
حددت خارطة الطريق 2023-2026 أيضاً هدف إحداث 200 ألف فرصة شغل إضافية. وينبغي تقييم هذا الهدف في ضوء تطور التشغيل السياحي، وجودة المناصب المحدثة، وقدرة المقاولات على استقطاب مهنيين مؤهلين. ولا ينبغي أن تقتصر الحصيلة على رقم إجمالي، بل يتعين أن تميز بين فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، وبين المناصب الصافية الجديدة وفرص العمل المؤقتة، مع دراسة التوزيع الترابي ومستويات التأهيل والأجور واستقرار العقود.
وقد ورد تعزيز الرأسمال البشري صراحة ضمن الرافعات الست للتنافسية التي حددتها خارطة الطريق. وأشارت المعطيات المنشورة في بداية سنة 2026 إلى برمجة 26 مسلكاً تكوينياً جديداً لسنة 2026، وإطلاق برنامج «كفاءة» الذي يهدف إلى تثمين المهارات المكتسبة من خلال التجربة المهنية، مع تحديد هدف يتمثل في استفادة 5,000 مهني.
غير أن السؤال الأساسي يظل مرتبطاً بمدى ملاءمة التكوينات المقدمة مع الحاجيات الفعلية للمقاولات، ولا سيما في مهن الإيواء والمطاعم والتنشيط والتدبير والرقمنة والاستقبال. وينبغي معرفة عدد المستفيدين الذين تلقوا التكوين أو حصلوا فعلياً على شهادات الكفاءة، ومدى اندماجهم في سوق الشغل، فضلاً عن تحديد الحاجيات التي لا تزال غير ملباة في الوجهات السياحية. كما أن تحسين جودة الخدمات والحفاظ على الزوار يرتبطان باستقرار فرق العمل، وتطوير الكفاءات، وقدرة المقاولات على توفير ظروف عمل جاذبة.
7. التدبير الإحصائي والشفافية: شرط أساسي لإعداد خارطة الطريق المقبلة
ينبغي أن يشمل تقييم خارطة الطريق، أخيراً، جودة القيادة والتدبير ومدى توفر البيانات. فقد ورد تعزيز المرصد السياحي ضمن الرافعات التي جرى تحديدها صراحة سنة 2023.
ولقياس أداء سياسة عمومية، لا يكفي التوفر على إحصائيات بشأن الوافدين وليالي المبيت والمداخيل، بل يجب أيضاً تتبع الالتزامات المالية والمشاريع والآجال الزمنية للتنفيذ والنتائج المحققة.
ومن ثم، ينبغي إرساء لوحة قيادة عمومية تجمع، بالنسبة إلى كل محور من محاور خارطة الطريق، الأهداف الأولية والإنجازات السنوية والتمويلات المبرمجة والمبالغ المصروفة ومؤشرات النتائج والفوارق المسجلة. وبالنسبة إلى برنامجي «كاب هوسبيتاليتي» و«غو سياحة»، من شأن هذه الشفافية أن تسمح بالتمييز بين الملفات التي تمت الموافقة عليها، والمشاريع التي حصلت على التمويل، ثم العمليات التي اكتمل إنجازها ودخلت حيز الاستغلال فعلياً. أما فيما يتعلق بالاتفاقيات الجوية، فستتيح المقارنة بين القدرات المتعاقد بشأنها والرحلات التي تم تشغيلها فعلياً والتدفقات السياحية الناتجة عنها. وبالنسبة إلى المشاريع المهيكلة، ستسمح بتتبع دقيق للاستثمارات ومواعيد دخول المشاريع حيز الخدمة.
ومن المهم التوضيح أن المعلومات العمومية التي تم الاطلاع عليها لا تتيح، في هذه المرحلة، التحقق بصورة شاملة من النسبة النهائية لتنفيذ جميع الالتزامات الواردة في خارطة الطريق 2023-2026. ولا يعني هذا القصور بالضرورة أن الإجراءات المعنية لم تُنفذ؛ بل يبرز الحاجة إلى إعداد حصيلة موحدة وموثقة ومتاحة للعموم.
8. من تقييم 2023-2026 إلى الإعداد لمرحلة 2027-2030
في ختام هذه المرحلة الأولى، يتوفر المغرب على مكتسبات مهمة في مجالات الجاذبية السياحية والترويج الدولي وتطوير الربط الجوي وتعبئة الاستثمارات السياحية. غير أن تحقيق بعض الأهداف الإجمالية لا ينبغي أن يعفي السلطات العمومية من دراسة النتائج الملموسة لكل برنامج. ولذلك، ينبغي أن تستند خارطة الطريق المقبلة إلى تقييم مستقل وموثق، يتيح تحديد التدابير التي حققت النتائج المنتظرة، وتلك التي تحتاج إلى تعديلات، وتلك التي ينبغي تسريع تنفيذها.
وينبغي أن تجيب هذه العملية، على وجه الخصوص، عن خمسة أسئلة أساسية:
– الربط الجوي: ما الاتفاقيات التي أفضت إلى تشغيل قدرات جوية فعلية وتوليد تدفقات سياحية إضافية؟ وما الوجهات التي لا تزال تعاني ضعفاً في الربط؟
– برنامج كاب هوسبيتاليتي: كم عدد الغرف التي جرى تجديدها فعلياً؟ وكم عدد المؤسسات التي أعادت فتح أبوابها؟ وما حجم التمويلات التي صُرفت بالفعل؟
برنامج ݣو سياحة: كم عدد المشاريع التي تمت الموافقة عليها وتمويلها وإنجازها وإدخالها حيز الاستغلال؟ وكيف تتوزع جغرافياً؟
– المشاريع المهيكلة: كم مشروعاً من المشاريع الأربعة عشر المبرمجة أصبح ممولاً أو قيد الإنجاز أو دخل حيز التشغيل؟ وما جداولها الزمنية المحينة؟
– العائدات الاقتصادية والاجتماعية:ما النتائج المحققة في مجال التشغيل المستدام والمداخيل ومتوسط مدة الإقامة والإنفاق لكل زائر والحد من الفوارق الجهوية؟
ويتمثل الرهان في جعل الفترة 2027-2030 مرحلة لا تقتصر على تجديد التوجهات السابقة، بل تستند إلى الدروس المستخلصة من تنفيذها. وينبغي أن تقترن زيادة الوافدين بتحسن قابل للقياس في القيمة المضافة وجودة العرض وتنافسية المقاولات وتوزيع العائدات الاقتصادية بين المجالات الترابية.
لذلك، ينبغي أن تكون الأولوية للانتقال من منطق الإعلانات والأهداف والبرامج إلى منطق النتائج القابلة للتحقق. وعلى هذا الأساس فقط يمكن لخارطة الطريق الجديدة أن تحدد أهدافاً واقعية، وترتب الاستثمارات حسب الأولوية، وتعالج التأخر في التنفيذ، وتعزز مسؤولية مختلف الفاعلين العموميين والخواص. كما ينبغي أن يستند طموح 2030 إلى حصيلة دقيقة لما أُنجز خلال الفترة 2023-2026، بدل الاكتفاء بإسقاط الأداء الإجمالي للقطاع على السنوات المقبلة.
عشر أولويات لسياسة سياحية مغربية جديدة: من الاستجابة الظرفية العاجلة إلى التحول الهيكلي
0. إطلاق إجراء استعجالي لإعادة تنشيط النمو السياحي
تتمثل الأولوية الفورية في الاستجابة للتباطؤ الملحوظ في نمو السياحة المغربية. فإلى نهاية شتنبر 2026، لم تتجاوز زيادة الوافدين 5%، مقابل 14% سنة 2025، و20% سنة 2024، و34% سنة 2023، وفق معدلات النمو المرجعية المعتمدة. وعلى الرغم من استمرار النمو الإيجابي، فإن هذا التباطؤ المتتالي يشكل إشارة إنذار تستدعي استجابة سريعة ومنسقة من السلطات العمومية والمكتب الوطني المغربي للسياحة وشركات النقل الجوي والجهات والمهنيين.
وأصبح من الضروري وضع خطة عمل استعجالية تستند إلى تشخيص دقيق للأسواق والخطوط الجوية والقدرات التجارية وأداء الوجهات السياحية. وينبغي أن تعطي هذه الخطة الأولوية للأسواق ذات الإمكانات العالية، وتعزز الحملات الترويجية خلال الفترات الحاسمة للحجز، وتسرع المفاوضات بشأن فتح خطوط جوية جديدة، وتدعم الوجهات التي تواجه طلباً غير كافٍ. كما ينبغي تعبئة الفاعلين حول عروض تجارية موجهة، ومسارات سياحية مشتركة، وتجارب قادرة على إطالة مدة الإقامة وتحفيز الحجوزات.
ولا يتمثل الرهان في مجرد الحفاظ على نمو إيجابي، بل في استعادة زخم النمو السياحي وتفادي تحول التباطؤ إلى اتجاه مستمر. وينبغي أن يقترن هذا التدخل الظرفي بأهداف قابلة للقياس، وجدول زمني واضح، وتتبع منتظم للنتائج، بما يسمح بتعديل الإجراءات التي لا تحقق الآثار المنتظرة بسرعة.
1. إعادة التفكير في النموذج السياحي: الانتقال من عدد الزوار إلى خلق القيمة
يظل عدد الوافدين مؤشراً أساسياً على جاذبية المغرب، لكنه لا يكفي لقياس الأداء الحقيقي للسياحة. وتتمثل الأولوية في تحسين تثمين التدفقات السياحية من خلال العمل على مدة الإقامة، وإنفاق الزوار، وتنويع الأنشطة والخدمات التي يستهلكونها، وتعزيز حصة المقاولات المغربية من العائدات المتولدة. ففي سنة 2025، ارتفع عدد الوافدين بنسبة 14%، مقابل زيادة قدرها 21% في المداخيل السياحية. ويبرز ذلك أهمية تتبع المؤشرين معاً، من دون الاستنتاج تلقائياً أن هذا الفارق يعني ارتفاعاً مماثلاً في الإنفاق الفردي لكل سائح.
وينبغي للسياسة السياحية المقبلة أن تتجاوز منطقاً كمياً في المقام الأول، وأن تعطي الأولوية لنمو يولد قيمة مضافة واستثمارات منتجة وعائدات اقتصادية مستدامة. فليس الهدف مجرد استقطاب مزيد من السياح، بل أيضاً إطالة مدة إقامتهم، وتنويع نفقاتهم، وتعزيز المنافع الاقتصادية التي تعود على المجالات الترابية والسكان.
2. جعل خلق الثروة وتقاسمها أولوية وطنية
لا تحقق السياحة كامل آثارها الإيجابية إلا عندما تتوزع عائداتها على نطاق أوسع، ولا تظل محصورة في كبار الفاعلين والوجهات الأكثر استقطاباً. وينبغي تمكين المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغرى المحلية، مثل المطاعم والمرشدين السياحيين والصناع التقليديين والناقلين والمنتجين ومنظمي الأنشطة ومؤسسات الإيواء الصغيرة، من الاندماج بصورة أكبر في سلسلة القيمة السياحية.
ويقتضي ذلك تسهيل حصول هذه المقاولات على التمويل والتكوين والأسواق والأدوات الرقمية، مع تشجيع الشراكات بين كبار المستثمرين والفاعلين المحليين. كما ينبغي أن يأخذ تقييم المشاريع السياحية بعين الاعتبار فرص الشغل التي أحدثتها، وجودتها، والموردين المحليين الذين عبأتهم، وحجم الثروة التي احتفظت بها المجالات الترابية. ويتمثل الهدف في جعل السياحة محركاً حقيقياً للتنمية الاقتصادية المحلية، بدل أن يتركز جانب كبير من منافعها لدى عدد محدود من الفاعلين.
3. وضع الرأسمال البشري والتشغيل والكفاءات في صلب التحول
كان القطاع السياحي يوفر نحو 894 ألف فرصة شغل مباشرة سنة 2025، وفق المعطيات القطاعية المشار إليها، بزيادة قدرها 16% مقارنة بسنة 2019. غير أن هذا التطور الكمي ينبغي أن يصاحبه اهتمام أكبر باستقرار العمل والأجور والمؤهلات وآفاق التطور المهني.
وستتوقف التنافسية المستقبلية للقطاع على قدرته على توفير مهنيين مؤهلين في مجالات الاستقبال والتدبير والتسويق الرقمي وإدارة الإيرادات وتنظيم الفعاليات والعلاقة مع الزبناء. كما ينبغي تحسين التنسيق بين التكوين وحاجيات المقاولات والخصوصيات المحلية لكل مجال ترابي. ومن الضروري أيضاً تعزيز جاذبية المهن السياحية لدى الشباب، وتشجيع التطور المهني للعاملين في القطاع. ولذلك، لا ينبغي النظر إلى الرأسمال البشري باعتباره مجرد عنصر من عناصر العرض السياحي، بل شرطاً أساسياً لجودته وأدائه.
4. الحد من التفاوتات المجالية وتحسين توزيع العائدات السياحية
يتوفر المغرب على مؤهلات متنوعة تشمل السواحل والجبال والواحات والصحراء والتراث الثقافي وفنون الطبخ والسياحة القروية. ومع ذلك، لا يزال تركز التدفقات في بعض الوجهات يشكل تحدياً هيكلياً. وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد أشار، استناداً إلى معطيات سابقة، إلى تركز نحو 60% من ليالي المبيت في مراكش وأكادير. وينبغي التعامل مع هذا الرقم باعتباره مؤشراً تاريخياً، لا قياساً مؤكداً للوضع الحالي.
ولا يتمثل الهدف في الحد من أداء الوجهات الناجحة، بل في جعلها قاطرات تنموية للمناطق المحيطة بها. إذ يمكن لمراكش أن تسهم بصورة أكبر في تنشيط السياحة بالأطلس الكبير، ولأكادير في تعزيز جاذبية سوس برمته، ولفاس ومكناس في تثمين المجالات الثقافية والقروية المحيطة بهما، ولورزازات في تنمية الواحات والأقاليم ما قبل الصحراوية. وينبغي لسياسة أكثر توازناً أن تعبئ الجهات والبنيات التحتية والمقاولات والفاعلين السياحيين، من أجل توزيع الاستثمارات والإقامات والنفقات السياحية بشكل أفضل.
5. جعل السياحة الداخلية سوقاً وطنية حقيقية ومتاحة للجميع
ينبغي التعامل مع السياحة الداخلية باعتبارها سوقاً قائمة بذاتها، لا مجرد مكمل للسياحة الدولية أو وسيلة لملء المؤسسات خلال فترات الركود. فهي تستجيب لاحتياجات خاصة تتعلق بالميزانية والتنقل والإيواء ومدة العطلات.
ويقتضي تطويرها توفير مزيد من الإقامات العائلية والرحلات القصيرة والمسارات الثقافية والتجارب المرتبطة بالطبيعة والعروض القريبة من أماكن السكن. وتظل القدرة الشرائية عاملاً حاسماً، إذ تتوقف إمكانية الاستفادة من العطلات على التكلفة الإجمالية التي تشمل النقل والإيواء والمطاعم والأنشطة. ومن شأن تطوير عرض متوسط التكلفة، يشمل الفنادق من فئتي نجمتين وثلاث نجوم، والإقامات السياحية، والشقق الفندقية، والقرى السياحية، ومواقع التخييم، ومؤسسات الإيواء القروية، أن يساعد على الاستجابة لتنوع الميزانيات، دون التخلي عن متطلبات الجودة والسلامة.
6. تحسين توجيه الاستثمارات وتعزيز نجاعة برامج دعم الاستثمار السياحي
لا يمكن اختزال الاستثمار السياحي في بناء غرف جديدة. فأداء الوجهة يتوقف أيضاً على جودة البنيات التحتية والفضاءات العامة والتطهير والتزود بالماء والخدمات الرقمية والتنقل والأنشطة المقدمة للزوار. ولا تضمن إضافة مؤسسة إيواء جديدة، في حد ذاتها، زيادة متناسبة في الطلب إذا ظلت الأنشطة والخدمات والتجارب السياحية غير كافية. وفي المقابل، يمكن للاستثمارات في الثقافة والترفيه والفعاليات والتنقل والأنشطة المحلية أن تطيل مدة الإقامة وترفع مستوى الإنفاق.
وفي هذا الإطار، تبدو مواصلة برنامجي «كاب هوسبيتاليتي» و«غو سياحة» مهمة لدعم تحديث العرض، وتحسين تنافسية المقاولات، وتحفيز الاستثمار السياحي. غير أن استمرار هذين البرنامجين ينبغي أن يقترن بتحسين ملموس لنجاعتهما التشغيلية، ولا سيما في ما يتعلق بدراسة الملفات وتبسيط الإجراءات وتقليص آجال المعالجة وصرف التمويلات فعلياً. وينبغي ألا تعيق المساطر المعقدة أو الآجال الطويلة، التي لا تتناسب مع الإمكانات المالية للمقاولات الصغيرة، استفادة هذه الأخيرة من آليات الدعم.
ويمكن تطوير برنامج «كاب هوسبيتاليتي» إلى صيغة معززة من قبيل «كاب هوسبيتاليتي 2.0»، تمنح أهمية أكبر للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومؤسسات الإيواء المستقلة، والوحدات السياحية الموجودة في المجالات الأقل استفادة. وينبغي أن تراعي هذه الصيغة الجديدة تنوع الحاجيات، وحجم الاستثمارات، والإكراهات الخاصة بالوحدات السياحية الصغيرة. كما يتعين أن تتضمن هدفاً صريحاً يتعلق بالعدالة المجالية، حتى لا يتركز الدعم أساساً في الوجهات الجاذبة أصلاً، أو لدى الفاعلين الذين يتوفرون على أكبر الإمكانات الإدارية والمالية.
وبالمثل، ينبغي لبرنامج «غو سياحة» أن يعزز مواكبة حاملي المشاريع، ويسهل الولوج إلى التمويلات، ويدعم بصورة أفضل المبادرات المرتبطة بالتنشيط والترفيه والتجارب السياحية. كما ينبغي ألا يقتصر تقييم هذه البرامج على المبالغ الملتزم بها، بل أن يشمل التمويلات التي صُرفت فعلياً، والمشاريع المنجزة، وفرص الشغل المحدثة، والتوزيع الجغرافي للمستفيدين. ويتمثل الرهان في الانتقال من منطق توفير آليات الدعم إلى منطق تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس وموزعة بشكل منصف.
7. تعزيز الربط وإمكانية الوصول إلى الوجهات السياحية
يظل الترويج السياحي محدود الأثر عندما يكون الوصول إلى الوجهة مكلفاً أو معقداً أو سيئ التنظيم. وينبغي أن يشمل مفهوم الربط وسائل النقل الجوي والسككي والطرقي والبحري، فضلاً عن وسائل النقل المحلية التي تصل المطارات والمحطات ومؤسسات الإيواء والمواقع السياحية بعضها ببعض.
كما ينبغي تحقيق تنسيق أوثق بين سياسة الترويج وقدرات النقل المتاحة والأسواق المستهدفة وأهداف الاستقطاب. ومن المفترض أن تسهم الخطوط الجديدة في تنشيط الفترات الضعيفة وتحسين الربط بالمجالات التي لا تزال تعاني نقصاً في الاتصال، بدل الاقتصار على تعزيز الأقطاب الكبرى التي تتمتع أصلاً بجاذبية مرتفعة. وهكذا، ينبغي النظر إلى الربط باعتباره أداة لتعزيز التنافسية الوطنية وتحقيق العدالة المجالية.
8. تنويع العرض السياحي لإطالة الإقامة والحد من الموسمية
ينبغي أن يتيح تنويع العرض السياحي تحويل مؤهلات المغرب إلى تجارب متكاملة قابلة للتسويق، ومناسبة لشرائح مختلفة من السياح. ويمكن للمنتجات الثقافية والساحلية والطبيعية والجبلية والواحاتية والغذائية والرياضية والمرتبطة بالفعاليات والرفاهية أن تسهم في إطالة مدة الإقامة وتحسين توزيع التدفقات السياحية.
كما يشكل هذا التنويع شرطاً أساسياً للحد من الموسمية، التي تؤثر في مردودية الاستثمارات واستقرار فرص الشغل. ويمكن للمهرجانات والمسارات السياحية والمؤتمرات والفعاليات المهنية والأنشطة الملائمة لمختلف فصول السنة أن تدعم الإقبال على الوجهات على مدار العام. غير أن ذلك يتطلب برمجة متناسقة، وتعبئة الفاعلين، وترويجاً موجهاً، وربطاً مناسباً خلال الفترات التي ينخفض فيها الطلب.
9. تحسين معرفة الأسواق وتدبير السياحة استناداً إلى بيانات موثوقة
ينبغي استكمال الإحصائيات الإجمالية بمعرفة أكثر دقة بسلوك السياح الدوليين والمغاربة المقيمين بالخارج والسياح المقيمين بالمغرب. فدوافع السفر ومستويات الإنفاق وليالي المبيت وأنماط الإيواء والمجالات التي تتم زيارتها تختلف بحسب فئات الزوار، وينبغي أن توجه القرارات العمومية.
ومن شأن إحداث منصة وطنية للبيانات السياحية أن يتيح تجميع المعطيات المتعلقة بالوافدين والمداخيل والطاقة الاستيعابية ومعدلات الملء والاستثمارات والتشغيل، على المستويات الوطني والجهوي والإقليمي. كما ستسهم هذه المنصة في تحسين قياس النشاط المرتبط بالإيجار السياحي الموسمي والإقامات الثانوية ومؤسسات الإيواء غير المصنفة، التي لا تعكسها بعض الإحصائيات بشكل كامل حتى الآن. وينبغي أن يترافق تحسين المعرفة بالسوق مع إدماج تدريجي للأنشطة في القطاع المنظم، وتبسيط الإجراءات، واعتماد قواعد تتناسب مع مختلف النماذج الاقتصادية.
10. الاستعداد لاستحقاق 2030 مع إعطاء الأولوية لنمو متوازن ومستدام
يشكل هدف استقبال 26 مليون سائح في أفق 2030 طموحاً مهماً، غير أن تحقيقه لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للنجاح. وتبرز نتائج سنة 2025، المتمثلة في 19.8 مليون وافد و43.4 مليون ليلة مبيت و138 مليار درهم من المداخيل، أهمية اعتماد تقييم يجمع بين عدة مؤشرات. كما ينبغي مقارنة معطيات سنة 2026 مع مراعاة الفترات الزمنية التي تغطيها، حتى يتسنى قياس تطور الوافدين وليالي المبيت والمداخيل بصورة صحيحة.
وينبغي لخارطة الطريق المقبلة أن تجمع بين الاستجابة للتباطؤ الظرفي، وتعزيز التنافسية الدولية، وتطوير السياحة الداخلية، وتأهيل الرأسمال البشري، وتحسين الاستثمار والربط والتنويع والاستدامة والعدالة المجالية. كما يتعين أن تأخذ بعين الاعتبار قدرة المقاولات المحلية على الاستفادة من النمو وجودة فرص الشغل المحدثة. وينبغي تقييم برامج الدعم استناداً إلى نتائجها الفعلية، ومدى سهولة استفادة المؤسسات الصغيرة منها، ومساهمتها في تنمية الوجهات الأقل استفادة.
ويتمثل التحدي الحقيقي للسياحة المغربية اليوم في الجمع بين استعادة النمو بسرعة وإحداث تحول هيكلي في النموذج السياحي. وسيظل عدد الزوار مؤشراً أساسياً، لكن ينبغي تقييمه في ضوء النفقات المتولدة، وجودة فرص الشغل، ومساهمة المقاولات المغربية، والتوزيع الترابي للعائدات. وعلى هذا الأساس، يمكن تحويل التباطؤ الحالي إلى فرصة لإعادة توجيه السياسة السياحية نحو تنمية أكثر شمولاً وتنافسية واستدامة.



