
هيئة التحرير
أكد تقرير “براند فاينانس” لسنة 2025 أن المغرب عزز موقعه كأحد الفاعلين البارزين على المستوى الدولي في مجال الثقافة والتراث، بعدما احتل المرتبة 35 عالميًا، متصدرًا دول شمال إفريقيا، في تأكيد جديد على متانة الموروث الثقافي المغربي وقدرته على ترسيخ مكانته ضمن عناصر القوة الناعمة التي تعكس العمق الحضاري للمملكة.
ووفق المعطيات التي تضمنها التقرير، فإن تصنيف المغرب في هذه المرتبة المتقدمة جاء بناءً على تقييم شامل لمؤهلاته الثقافية والتراثية، حيث حصل على نتيجة إجمالية بلغت 4.1 نقاط في هذا المؤشر، الذي يقيس مدى تأثير الدول في المشهد العالمي بناءً على استطلاع رأي شمل أكثر من 170 ألف مشارك في أزيد من 100 دولة.
ويترجم هذا التموقع المتقدم بشكل واضح الاستراتيجية التي اعتمدتها المملكة للحفاظ على مقوماتها الحضارية في مواجهة المحاولات المتكررة لطمس هويتها الثقافية أو الاستحواذ على مكوناتها التراثية من قبل أطراف تسعى إلى إعادة تشكيل الخريطة الثقافية في المنطقة بما يخدم أجنداتها السياسية.
فالمغرب، الذي راكم إرثًا حضاريًا ضاربًا في عمق التاريخ، نجح في تكريس حضوره من خلال سياسات ثقافية استباقية تستند إلى تثمين عناصر التراث المادي واللامادي عبر آليات الحماية والتوثيق والتسجيل في قوائم التراث العالمي لليونسكو، حيث شملت هذه العملية عدة مكونات تراثية مثل فن كناوة، والكسكس، والخطارات، والتبوريدة، وفنون الطبخ التقليدية، مما شكل حاجزًا مؤسساتيًا أمام أي محاولات للمصادرة أو النسب الزائف لهذه العناصر.
إن تفوق المغرب في هذا المؤشر يعكس بجلاء الإشعاع الثقافي للمملكة، الذي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة دينامية مؤسساتية تتقاطع فيها جهود الفاعلين الترابيين مع مختلف الشركاء الوطنيين والدوليين، في إطار رؤية ملكية متكاملة تولي أهمية خاصة للحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز مكانتها ضمن توازنات القوة الناعمة على المستوى الدولي.
ويشير التقرير بشكل واضح إلى أن الدول التي تحظى بتموقع متقدم في مؤشر الثقافة والتراث غالبا ما تمتلك تأثيرًا دبلوماسيا واسع النطاق، وهو ما ينسجم مع السياسة الخارجية المغربية التي جعلت من الموروث الحضاري ركيزة أساسية للدبلوماسية الثقافية، سواء من خلال توطيد العلاقات مع الشركاء الدوليين عبر برامج التعاون الأكاديمي والثقافي، أو من خلال الانخراط في شبكات الحماية الدولية للتراث، مما يعزز موقع المملكة كقوة إقليمية ذات امتداد ثقافي واسع.
ويأتي هذا التصنيف في سياق جيوسياسي تتزايد فيه محاولات بعض الأطراف لإعادة صياغة السرديات الثقافية في المنطقة، غير أن المعطيات الميدانية والمؤشرات الدولية تفند هذه الادعاءات، إذ يظل المغرب الفاعل المركزي في المشهد الثقافي الإقليمي، مدعومًا باعتراف دولي موثق يستند إلى معايير موضوعية.
فرغم المناورات الهادفة إلى التلاعب بالموروث الثقافي وتقديمه خارج سياقه التاريخي، فإن المغرب يواصل إثبات حضوره من خلال دينامية متجددة تستند إلى إشعاع تراثه عالميا، حيث باتت عناصر الثقافة المغربية جزءًا من المشهد الثقافي الدولي، سواء من خلال تزايد حضورها في الفعاليات الكبرى، أو عبر اعتمادها كمرجعيات ثقافية في الفنون والموسيقى والصناعات التقليدية على المستوى العالمي.
ويستمر المغرب، الذي ظل عبر تاريخه العريق نقطة التقاء للحضارات، اليوم في تعزيز موقعه كفاعل ثقافي دولي عبر استثمار موروثه الغني في ترسيخ مكانته ضمن الدول الأكثر تأثيرًا في المشهد التراثي العالمي.
ومع تزايد أهمية القوة الناعمة في العلاقات الدولية، فإن حفاظ المملكة على ريادتها في مؤشر الثقافة والتراث يؤكد وجاهة اختياراتها الاستراتيجية، ويكرس فشل محاولات تحوير الوقائع التاريخية أو نسب مكونات الهوية المغربية لغيرها، حيث تظل الحقائق الموثقة والتقدير الدولي خير رد على مثل هذه الادعاءات.