مجتمع

أسباب تعثر تدريس اللغة الأمازيغية في مدارسنا..

بقلم الباحث لحسن بازغ

بداية لابد من الإشارة إلى أن الكتابة في ملف تدريس اللغة الأمازيغية يجب أن يبدأ أولا
بالانصات إلى الاساتذة الممارسين داخل الاقسام والى المسؤولين التربويين والمتتبعين
تطوراته لتتوفر لدينا رؤية واضحة بواقع مايجري ، عكس بعض الخطابات التنظيرية
والإحصائيات الفضفاضة المغلوطة .
فالكل مقتنع اليوم ويؤكد أن عملية تدريس اللغة الأمازيغية لا تتوفر على أرضية صلبة لتدريسها ، وتعرف ارتجالية في تدبير شأنها مع غياب سياسة وضمانات حقيقية واضحة المعالم لإنجاحها .
ويعود هذا كله إلى إكراهات وصعوبات وعراقيل تقنية وتنظيمية مفتعلة ،تفسر كلها
المفارقة الكبيرة التي يعيشها هذا التدريس بين الأهداف المعلنة ، والمبادئ البيداغوجية المبينة في منهاج اللغة الامازيغية في التعليم الذي أصدرته الوزارة الوصية والواقع الفعلي في المدارس .
وسأكتفي هنا في البداية بتعداد بعض ما أراه مهما من الأسباب التي تكمن وراء تعثر تدريس اللغة الأمازيغية في مدارسنا ،باعتباري أستاذ اللغة الامازيغية ومناضلا مهتما بالموضوع ، وذلك بتوزيعها إلى إشكالات ومآخد تحتاج كلها إلى حلول ناجعة وسريعة الآن.
كافة المؤشرات الصادرة لحد الان من تقارير الجمعيات الأمازيغية التي تدق ناقوس الخطر
وانتقادات المتتبعين والمهتمين الموجهة إلى العملية برمتها تدل على أن الواقع هش ،
والحصيلة هزيلة والآفاق المستقبلية غامضة ،وإذا لم يتم تدارك الأمر فان كل الأعمال
المبذولة حاليا ستؤدي إلى الفشل وحصد نتائج كارثية لا قدر الله .
1- ضعف التكوين :

يعد تكوين الأساتذة من بين الأولويات لتي يجب الاهتمام بها قبل الشروع في العملية البيداغوجية التربوية ،فأي تفكير تخطيطي جديد لابد أن يصاحبه برنامج تنفيذي كامل
لإعداد الأساتذة وتكوينهم ،ولابد أن يتناول التحليل الوظيفي لهيئة التدريس المعنية بصفة عامة لان الغاية الأساسية هي التوفر على أساتذة مزودين بكافة المهارات اللغوية والنحوية
والبيداغوجية والديداكتيكية الالزمة .
وهذا مالا ينطبق على تدريس اللغة الأمازيغية ،لأن هناك غيابا واضحا للتأطير البيداغوجي
في الميدان المصاحب للمدرسين المكلفين الجدد ،حيث صعوبة كبيرة في تحويل أساتذة غير ناطقين للأمازيغية، إلى مدرسين أكفاء في هذه المادة خلال 3دورات تكوينية سنوية ،حسب المذكرة الوزارية 130 التي تحث على تنظيمها أي 15 يوم تكوين في السنة ورغم أنها ضئيلة وضعيفة توقفت منذ 2008 ، ومن حقنا أن نتساءل هل هذه الأيام كافية لتدريس الأمازيغية بشكل فعال حتى وان كانت ؟ خصوصا أن عددا كبيرا من الأساتذة المكلفين المعنيين لم يطلعوا على آليات استعمال الأمازيغية ولا التعرف على حروفها ،فليس المهم أن يتحدث الأستاذ الأمازيغية وكفى ، لم تقم ببرمجة ولو دورة تكوينية واحدة ،وحتى على المستوى الكيفي ، فإن تدريس اللغة الأمازيغية عند بعض الأساتذة لم يتم بشكل منتظم حسب التوزيع السنوي وفي بعض الأحيان لا يتجاوز درس اللغة الأمازيغية تعلم حروف تيفيناغ طول السنة ،في الوقت الذي قامت فيه وزارة التربية الوطنية بتعاون مع المعهد الملكي
للثقافة الأمازيغية بإصدار الكتب المدرسية من الأول إلى السادس مع دليل الأستاذ ،”تيفاوين
اتمازيغت ” ، واعتمد في صياغة هده الكتب على بيداغوجية الكفايات المعتمدة في برامج التعليم بالمغرب وحسب دراسة لألستاذة فاطمة اكناو رئيسة مركز البحث الديداكتيكي
والبرامج التربوية بالمعهد ورد فيها أن هذا الكتاب “يستجيب لمنهاج اللجنة الوزارية المكلفة بإعداد برامج تعليم اللغة الأمازيغية ،بحيث نجده يتكون من اثني عشرة وحدة موزعة زمنيا على أسبوعين لكل وحدة تربوية ،وقد خصصت أربع أسابيع كاملة للدعم والحصيلة ،كل وحدة تربوية تبدأ بمدخل استعراضي متبوع بحملة من الأنشطة حول التواصل والقراءة
والكتابة ، ثم التوظيف آو الاستعمال اللغوي الذي تمرر أثناء ه بكيفية ضمنية مجموعة من القواعد النحوية والصرفية.

2 – المذكرات الوزارية :

صدرت العديد من المذكرات التربوية الوزارية المهتمة بتفعيل تدريس الأمازيغية ،منذ فاتح شتنبر 2003 تاريخ الشروع في هذا التدريس إلى اليوم ،ولكن تبقى حبر على ورق ،لأن
العديد من النيابات و الاكاديميات لايعملون على اجراتها ، رغم انه قرار وطني ورسمي للدولة المغربية ،وأحد ركائز سياستها العامة،في النظام التربوي المغربي الذي يكرس الهوية
المغربية . ويبقى تدريس االمازيغية ضحية مزاج بعض المسؤولين التربويين ،وبعض الذين يتعاملون معها بمنطق الإقصاءوالاستخفاف ،وهو ماوقع مؤخرا ببعض النيابات والاكاديميات “الرباط أكادير تنغير الخميسات خنيفرة تزنيت تارودانت “حيث سحب تكليف العديد من األساتذة المكلفين بتدريس هده المادة وتكليفهم بتدريس مواد أخرى ،بدعوى سد
الخصاص الحاصل في العربية آو الفرنسية ،كذلك المذكرة الخاصة بإحداث نقط الارتكاز لتتبع مسار تدريس الأمازيغية ، والتي تنص على اسناذها إلى أساتذة ممارسين ويتقنون الأمازيغية كتابة وقراءة ولهم اهتمام بالملف .
فقد أسندت إلى موظفين على صعيد المديريات دون استفادا تهم من آي تكوين ، وذلك لتدبير ملف الأمازيغية في البنية التربوية للمؤسسات المعنية بتدريسها.

3 – الكتاب المدرسي الأمازيغي:

بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية قامت وزارة التربية الوطنية بإعداد الكتاب المدرسي ،وتم لحد الان انجاز ستة كتب من الأول إلى السادس “تيفاوين اتمازيغت ، أي
صباح الخير أيتها الأمازيغية ” ،إضافة إلى تأليف دليل الأستاذ للمستويات المذكورة ،ومعاجم وكتب القواعد وقصص وكتب ترفيه ، وهذا عمل إيجابي وبذل فيه جهد كبير .
الا أن عددا من الآباء والتلاميذ يثيرون نذرتها وتأخر وصولها أسوة بباقي المواد الأخرى ،كما أن البعض الآخر ينتقد هذه الكتب في محتوياتها بأنها لا تستجيب للحضارة والتاريخ
الأمازيغي ،فغالبا ما نجد ترجمة نصوص من العربية إلى الأمازيغية في وقت تزخر فيه الحضارة الأمازيغية باحدات مهمة ومثيرة .كما أن بعض األساتذة يجدون صعوبة في قراءة
الجمل والمصطلحات الواردة فيها بسبب ضعف التكوين وعدم التمكن من أبجدية تيفيناغ .
كل هذه الاختلالات أدت إلى حرمان مجموعة من التلاميذ من التعلمات الأمازيغية والتعرف على الأساليب الجديدة .كما لابد من تحرير الكتاب المدرسي وفتح مجال التأليف المدرسي
للغة الأمازيغية أمام الكفاءات التي لها تجربة جمعوية امازيغية وذات خبرة ميدانية في التاطير والتدريس والتي يزخر بها قطاع التربية الوطنية .
4 -النقص الحاد في الأطر التربوية المؤهلة لتدريس اللغة الأمازيغية:

إضافة إلى بطء سيرورة التعميم العمودي والافقي وتفعيل النصوص التنظيمية ،فان الأطر التربوية والإدارية المعنية بتدريس اللغة الأمازيغية عانت ،وماتزال من نقص كبير .فعدد
الأساتذة الذين يتولون تدريس الأمازيغية خلال الموسم الدراسي 2014 2015 قدر ب 5400 أستاذ وأستاذة ،منهم فقط 480 متخصص .مما يشكل 4 في المائة فقط من مجموعة اساتذة التعليم الإبتدائي .وهذا ما يعني كذلك أنه فقدنا مايزيد عن 9000 أستاذ وأستاذة لسد الخصاص ، أو تقاعدوا منذ 2003 .
أما عدد التلاميذ الذين شملهم تدريس الأمازيغية خلال الموسم الدراسي 2014 2015 فقدر ب 560000 تلميذ وتلميذة ،وهذا رقم ضعيف كذلك بالمقارنة مع عدد التلاميذ في
مرحلة الإبتدائي الذي يتجاوز ثالثة ملايين ونصف .
ثم ضرورة اعتماد صيغة الأستاذ المتخصص القار عبر التكوين الأساسي في 4 -مراكز جهوية لمهن التربية والتكوين في كل من “اكادير ومراكش ومكناس والناضور منذ 2012
“عبر تخصيص عدد كاف من المناصب المالية ،وتبني تمييز ايجابي لصالح تدريس اللغة الأمازيغية التي همشت لسنوات ،والملاحظ أن الوتيرة الحالية والتي تتمثل في تخصيص
فقط 120 منصب مالي سنويا لفائدة الامازيغية”تخرج 30 أستاذ وأستاذة سنويا.

كما أن المراكز المذكورة لن تساهم في أفق منظور في تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في كل
المستويات والمسارات الدراسية ولو بعد 30 سنة أخرى .
5 – دراسة ميدانية
لقد بادرت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة سوس مؤخرا إلى انجاز دراسة جهوية
بغية استقراء واقع تدريس اللغة الأمازيغية ،وكونت لهذا الغرض لجنة من المشرفين ميدانيا
على تدريس الأمازيغية ، والهدف هو الوقوف على مكامن الضعف والقوة في إدراج هذه للغة ضمن المناهج المقررة .
للإشارة فجهة سوس متقدمة على جميع جهات المغرب في تدريس الأمازيغية ،20 في المائة تقريبا من مجموعة المدارس المعنية بتدريس الأمازيغية ،ووقع اختيار فريق البحث
على عينة من 248 مدرس الأمازيغية ،فاستنتجوا مايلي :
_ 37 في المائة من الأساتذة لا يهيئون دروسهم بالحرف الرسمي تيفيناغ .
_ 44 في المائة من التلاميذ هم فقط من يتوفرون على الكتاب المدرسي الأمازيغي .
_ 30 في المائة مرتاحة في تدريس اللغة الأمازيغية .
_ 51 في المائة تجد صعوبة في التعامل مع الدروس والمرجع .
_ 20 في المائة لم يسبق لها أن استفادت من أي تكوين يهم تدريس الأمازيغية .
_80 في المائة من الأساتذة ناطقين للأمازيغية .
هذا بالنسبة لجهة اغلب سكانها ناطقين للأمازيغية ،فما بالك بالجهات الأخرى ،فالمشكل
القائم ليس أن تتكلم بالأمازيغية فقط ، وتكون أستاذها ،وإنما أن تكون ضابطا ومتمكنا لكل الظروف المرتبطة بالتقعيد والمعيرة والكتابة الصحيحة بتيفيناغ.

6 – معطيات

هذه معطيات حصلت عليها من خلال تقارير الجمعيات الأمازيغية ،وبعض المهتمين بالملف
وهي كما يلي :
_إن بعض المديريات تم التراجع فيها عن تدريس الأمازيغية ،لانعدام التشجيع والتحفيز .
_ هناك من ملأ الطلب ليرجع لتدريس مادته الاصلية الأولى عربية او فرنسية .

من التمكن من تنفيذ تدريس اللغة الأمازيغية ببعض المستويات التي كان مبرمجا لتدريس
بها ،لعدم وجود أساتذة ناطقين .
_ ضعف الإقبال على ملأ الاستمارات الخاصة بتدريس الأمازيغية من طرف األساتذة
الناطقين بها .
_عدم توزيع الحصص بشكل سليم في استعمال الزمن طبقا للمذكرة 90.
_اللغة الأمازيغية لا تحضى بما تحضى به باقي المواد في “المراقبة والتنقيط “في إطار تكافؤ الفرص مع اللغات الأخرى ببعض المدن .
_ إسناد التأطير إلى مفتشين غير متخصصين في الأمازيغية .
_ صعوبة التعامل مع المراجع والتمارين والمصطلحات الواردة فيهم لعدم التمكن من
الأمازيغية من طرف الأستاذ .
7 – تعويم ملف تدريس الأمازيغية .
إن استمرار تعامل المسؤولين التربويين مع مادة اللغة الأمازيغية كما لو أنها لغة “غير واضحة المعالم ” ، هو ما أدى إلى تعويم هذا الملف بانعدام المخاطب على الصعيد المركزي هل هو مكتب ؟أو مصلحة ؟اوقسم ؟او مديرية ؟ام ماذا ؟وذلك لتتبع مسار هذاالتدريس ، مما أدى إلى عدم تحمل المسؤولية من طرف أية مديرية ،وغياب سياسة لغوية من شانها تحديد مهمة الأمازيغية في التدريس .
وأخيرا يمكن القول إن عملية إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية ، تم بدون توفير الأرضية اللازمة ،فلم تسبق العملية وتواكبها حملات تحسيسيةوإعلامية ، ولم يتم تعبئة كافة المتدخلين بشكل إيجابي في تسهيل العملية ،
وعدم تخصيص اعتمادات مالية لتدعيمها مع غياب تتبع مستمر من طرف الادارة المركزية ،
باعتبار هذا التدريس عملية وطنية ،كل هذا أدى إلى تراجع التدريس ، وعدم تحقيق الهدف المنشود ، وهو ما أدى كذلك إلى حصيلة هزيلة ، وصعوبات وعراقيل تصاحب تدريس اللغة الأمازيغية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock