كتاب “أصوات مراكش”.. وروائحها وغرابتها كما دونها إلياس كانيتي

عبد اللطيف شعباني
لقد فاز إلياس كانيتي بجائزة نوبل للآداب سنة 1981، وكان الكثير من القراء في العالم يعرفون إسمه وبعض أعماله، لكن آخرين منهم كانوا حائرين أمام ما يكتبه وينشره حقاً. ومن هنا راح قراء فضوليون يكتشفون فيه الروائي والناقد والفيلسوف وكاتب اليوميات في آن معاً. لكنهم أيضاً اكتشفوا “البدوي” الحقيقي، ذلك الذي عرف كيف يتجول بين الأوطان واللغات بشكل قلّ أن طبع أي كاتب آخر. فالروائي الياس كانيتي، المولود في بلغاريا في أسرة إسبانية يهودية الأصل، تلقى علومه في بريطانيا، وعبّر عن نفسه دائماً باللغة الألمانية، أما لغته الأم فكانت الإسبانية إضافة إلى البلغارية. غير أن المسألة لم تكن تقنية وجغرافية بحتة، بمعنى أن الياس كانيتي لم يستخدم التنوع اللغوي والتشتت الجغرافي كمجرد أدوات تعبيرية، بل كانا من الأمور الجوهرية بالنسبة إليه، ومن هنا نراه في كتاباته يعبّر عن هموم إنسانية عامة كما يعبّر في الوقت نفسه عن مستوى من الحكمة يضعه في صف واحد مع كبار الكتّاب الأخلاقيين الذين عرفهم القرن العشرون، ولعل الفصول العديدة من كتابه الأشهر “الجمع والسلطان” تكفي لإطلاعنا على عمق تفكير هذا الكاتب الذي حين رحل عن عالمنا عام 1994، واعتبر النقاد رحيله خسارة كبيرة للأدب العالمي، وليس لأدب بعينه، وإن موته يكاد ينهي مرحلة من تاريخ الأدب، عرف فيها بعض الكتّاب كيف يتجاوزون الحدود والسدود بين الأمم والشعوب لتقديم عمل ينضح بالشمولية الإنسانية، يتجلى في العديد من نصوصه سواء روايات (مثل “الحرق”) أو كتباً فلسفية – اجتماعية (مثل “الجمع والسلطان”) أو كتب سيرة ذاتية (مثل أجزاء سيرته وأشهرها “اللسان الذي أنقذ”). ولكن بصورة خاصة كتابه الأجمل “أصوات مراكش”.
فما هو مضمون كتاب ” أصوات مراكش”؟؟
هو كتاب ينتمي إلى جنس كتب الرحلات ، مع أنه أساساً كتاب رحلة، وفي الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال الأخير ، تتضمن الإجابة عن السؤال الأول. وببساطة أفضل السبل لتقديم هذا النص الجميل هو ترك فقرات منه تقدم ذاتها بذاتها، وتعكس فرادة المجموع الشاعرية لكن الإنسانية أيضاً.
والبداية من هذه الصورة: “تطلع من الأسواق رائحة التوابل. كل شيء هنا طازج والألوان تنهمر انهماراً. لكن الرائحة التي تبدو على الدوام عذبة، تتبدل بتبدّل طبيعة البضائع. ليست للمحلات هنا أسماء ولا يافطات. وليست فيها واجهات. بل كل ما يمكن بيعه معروض هنا. والمرء العابر المكان لا يمكنه أبداً أن يعرف كم سعر هذا الشيء أو ذاك. الأسعار ليست مسجلة على بطاقات… بل هي غير محددة على الإطلاق”. “إن كيس الجلد الذي قد ترغب في شرائه، ستجده معروضاً لدى عشرين حانوتاً وكل حانوت يلتصق بالثاني التصاقاً. هنا تشاهد بائعاً متربعاً وسط بضاعته بشكل يجعل كل البضائع في متناول يده لأن المكان ضيق. بالكاد يحتاج إلى مد ذراعه على طوله للوصول إلى أي كيس من الأكياس. فإن وقف فإنما يقف تهذيباً إن لم يكن مسنّاً”.

من الواضح كما يرى كانيتي أن “كل ما ينتجه الجنوب المغربي من البضائع الجلدية معروض عليك في هذا البازار الذي يعتبر الأشهر والأكبر في المدينة”. ويلاحظ الكاتب أن ثمة الكثير من الشعور بالفخر في هذا العرض. فالبائعون هنا يعرضون عليك كل ما يمكن صنعه، لكنهم يُرونك في الوقت نفسه مدى الوفرة الماثلة بحيث إنك ستخال لوهلة وكأن الأكياس نفسها تدرك أنها ثروة البلاد وأنها على هذا الأساس تعرض أمام عيون العابرين بكل بريقها وزهوها (…). أما العابر فربما يقول لنفسه: اليوم أود أن أقصد سوق التوابل. وعلى الفور يصل إلى أنفه ذلك الخليط العجيب من الروائح والعطور ليرى أمام ناظريه سلالاً ضخمة ملأى بالفلفل الأحمر. ثم يقول في يوم آخر: اليوم تواتيني رغبة في مشاهدة الأصواف الملونة. وعلى الفور يرى الأصواف معلقة من حوله بألوانها البديعة: زرقاء غامقة، أو صفراء ذهبية أو سوداء…”. وقد يقول العابر: اليوم سأقصد السلالين لأرى كيف يحيكون سلالهم…”
يلاحظ الكاتب أن “الكرامة التي تنبض بها تلك الحوائج المصنوعة بأيد بشرية، تبدو مدهشة، لكنها أحياناً قد تكون هجينة إذ يحدث أن تتسلل إليها عناصر مشكوك فيها مصنوعة على الآلات أو مستوردة من بلاد الشمال. لكنها مع ذلك، تعرض بالأسلوب القديم نفسه…”. ويروي كانيتي: “مررت بالقرب من سبيل عمومي. كان ثمة صبي ينحني عليه شارباً من مائه. انحرفت إلى اليسار فسمعت صوتاً عذباً دافئاً يأتي من أعلى. نظرت إلى البيت المواجه فرأيت وجه امرأة شابة يطل من الطابق الأول من خلف شباك. لم تكن محجبة ولها بشرة غامقة اللون، وكان وجهها شديد القرب من الشباك. كانت تتمتم بعبارات ذات كلمات مفعمة بالحنان. لم أفهم لماذا لم تكن محجبة لكني شعرت بأنها تتوجه بالحديث اليّ. لكني لم أرَ ساعديها. هل كانت مقيدة؟ ربما، لكن المهم أن كلماتها كانت تتدفق كنبع ماء رقراق من دون أن أفهم كلمة…”
ومهما يكن يبقى كتاب كانيتي “أصوات مراكش” واحداً من أجمل كتبه وربما، الذي يقرأه كل مثقف أوروبي قبل أن يقوم بزيارة تلك المدينة المغربية الاستثنائية.



