هلوسة إعلامية بعد الإقصاء: حين يهرب الإعلام الجزائري من الحقيقة الكروية

المصطفى الوداي
مرة أخرى، وبعد كل إخفاق قاري، يجد جزء من الإعلام الجزائري نفسه عاجزًا عن مواجهة الحقيقة الكروية، فيلوذ بخطاب المؤامرة، ويوجّه سهام الاتهام إلى التحكيم والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، في محاولة مكشوفة لتبرير الإقصاء من ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم أمام منتخب نيجيريا، بدل الانكباب على الأسباب الحقيقية للهزيمة.
القراءة الموضوعية للمباراة تكشف بوضوح أن المنتخب الجزائري دخل اللقاء وهو يعاني من إرهاق بدني واضح، وارتباك ذهني، وغياب تام للثقة. بدا اللاعبون خائفين من المجازفة، متباعدين في خطوطهم، يفتقدون للانسجام والجرأة، في مقابل منتخب نيجيري منظم، قوي بدنيًا، وواثق في تحركاته، سيطر على مجريات اللقاء طولًا وعرضًا دون منازع.
نيجيريا كانت الطرف الأفضل في الاستحواذ، في بناء اللعب، وفي الانتشار داخل الملعب، بينما ظهر المنتخب الجزائري مفكك الخطوط، عاجزًا عن تهديد المرمى النيجيري أو خلق فرص حقيقية للتسجيل. غابت الحلول الهجومية، وانعدمت الفاعلية، ولم تُظهر ركائز المنتخب أي قدرة على قلب موازين المباراة.
أما الجدل الذي أثير حول ما سُمي بـ“ركلة جزاء واضحة”، فلا يصمد أمام أبسط قراءة لقانون التحكيم. فالقانون واضح وصريح: إذا لمست الكرة رجل اللاعب قبل أن تلمس يده، فلا وجود لخطأ، ولا تُحتسب ركلة جزاء. هذه الحالة تحديدًا لا تحتمل التأويل، وقد تعامل الحكم معها وفق القوانين المعمول بها دوليًا، دون اجتهاد أو انحياز.
التحكيم، بشهادة أغلب المتابعين المحايدين، أدار المباراة بشكل عادي، ولم يتخذ أي قرار مؤثر غيّر مسار اللقاء. كما أن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم قدّم توضيحاته بخصوص تغيير الحكم، في إطار تنظيمي لا علاقة له بنتيجة المباراة أو بهوية المتأهل.
الهزيمة الجزائرية كانت منطقية، لأنها جاءت نتيجة منتخب دخل المباراة بلا خطة واضحة، وبأداء باهت، وتغييرات تقنية لم تُضف شيئًا يُذكر، ولم تمنح الفريق أي نفس جديد. الإفلاس كان تقنيًا وتكتيكيًا قبل أن يكون تحكيميًا.
لكن بدل فتح نقاش مسؤول حول اختيارات المدرب، وتراجع المستوى البدني، وضعف الأداء الجماعي، اختار بعض الإعلاميين والمحللين الجزائريين ممارسة التمويه، والبحث عن “شماعة” يعلقون عليها الإخفاق، في تكرار لخطاب استهلاكي لا يخدم كرة القدم الجزائرية، ولا يساعد على تصحيح المسار.
فالهروب إلى الأمام، واتهام التحكيم والكاف، لن يخفي الحقيقة الأساسية: منتخب نيجيريا فاز لأنه كان الأفضل، والمنتخب الجزائري أُقصي لأنه لم يكن في المستوى المطلوب. وما لم يتم الاعتراف بذلك، سيبقى الخطاب الإعلامي يدور في حلقة مفرغة، بعيدًا عن النقد البنّاء والإصلاح الحقيقي.



