أكادير تحتفي بيناير 2976: الأمازيغية في قلب الهوية المغربية وعلى إيقاع العرس الإفريقي

مكتب أكادير / هشام الزيات
عاشت مدينة أكادير، مساء الثلاثاء 13 يناير الجاري، على وقع لحظة ثقافية استثنائية، وهي تحتفي برأس السنة الأمازيغية 2976، ضمن برنامج احتفالي غني ومتنوع يمتد من 11 إلى 15 يناير. احتفال تجاوز طقوس الفرح العابر، ليجسد فعلا رمزيا عميق الدلالة، يؤكد المكانة الراسخة للأمازيغية باعتبارها رافدا أصيلا من روافد الهوية المغربية الجامعة .
ويأتي هذا الموعد الثقافي المميز في سياق وطني وقاري خاص، يتزامن مع الأجواء الحماسية التي تعيشها المملكة بمناسبة احتضانها لمنافسات كأس إفريقيا للأمم، ما أضفى على الاحتفالات بعدًا مضاعفًا، حيث التقت الثقافة بالفرجة، والذاكرة بالراهن، والهوية المحلية بالانفتاح الإفريقي .
وفي هذا الإطار، دعت جماعة أكادير، عبر بلاغ رسمي، ساكنة المدينة وزوارها إلى الانخراط الواسع في هذه الاحتفالات، من خلال ارتداء الأزياء والحلي الأمازيغية خلال ليلة 13 إلى 14 يناير، في مبادرة تروم تحويل الفضاء العام إلى لوحة حية تنبض بروح الأصالة وعمق الانتماء الثقافي لسوس وللمغرب عموما، وتتيح للزائر اكتشاف الأمازيغية كثقافة حية ومتجددة، لا مجرد تراث معروض .
وقد عبأت جماعة أكادير مجموعة من الفضاءات الحضرية والتاريخية والسياحية لاحتضان مختلف فقرات البرنامج، من بينها سينما الصحراء بحي تالبرجت، أكادير أوفلا، كورنيش المدينة، ساحة الأمل، حديقة ابن زيدون، تدارت أنزا، وأحياء تيكوين وبنسركاو، في اختيار يعكس إرادة واضحة لربط الاحتفال بالمجال والذاكرة والإنسان .
وانطلق البرنامج يوم 11 يناير بندوة فكرية احتضنتها سينما الصحراء، تمحورت حول موضوع “الاحتفالات الفلاحية”، حيث جرى تسليط الضوء على الأبعاد الأنثروبولوجية والتاريخية لرأس السنة الأمازيغية، باعتبارها احتفالًا مرتبطًا بالأرض والدورة الزراعية وقيم الانسجام مع الطبيعة، وهي دلالات تكتسي اليوم أهمية خاصة في ظل الرهانات البيئية والتنموية المعاصرة .
كما عرفت المدينة تنظيم سهرات فنية وموسيقية بعدد من المنصات، أبرزها أكادير أوفلا وساحة الأمل وتدارت أنزا وتيكوين وبنسركاو، بمشاركة فرق أمازيغية وشبابية، مزجت بين الإيقاعات التراثية والتعبيرات الموسيقية الحديثة، في حوار فني خلاق بين الأجيال والأنماط .
وتحولت حديقة ابن زيدون، طيلة أيام الاحتفال، إلى فضاء ثقافي مفتوح، احتضن عروضا موسيقية، ومعارض للمنتوجات الحرفية والمجالية، وورشات ترفيهية لفائدة الأطفال، إلى جانب أروقة لتذوق الأطباق الأمازيغية التقليدية المرتبطة بطقوس يناير، في تأكيد على أن المطبخ بدوره ذاكرة وهوية .
وانسجاما مع أجواء كأس إفريقيا للأمم، شهدت فضاءات المشجعين تنظيم عروض فنية وبرامج تنشيطية خاصة، جمعت بين الحماس الرياضي والاحتفاء الثقافي، في صورة تعكس مغرب التنوع والتعدد، القادر على تحويل التظاهرات الرياضية الكبرى إلى منصات للتعريف بعمق هويته الحضارية .
وبلغت الاحتفالات ذروتها ليلة 13 يناير، حيث احتضن كورنيش أكادير عروضا بصرية مبهرة، شملت ألعابا نارية وشهبا مضيئة، إلى جانب لوحات فنية مبتكرة قدمتها طائرات الدرون، في مشهد احتفالي جمع بين سحر التكنولوجيا الحديثة وعمق الرمزية الثقافية .
إن احتفال أكادير برأس السنة الأمازيغية لا يختزل في مظاهر الفرح وحدها، بل يرسخ وعيا جماعيا متجددا بأن الأمازيغية ركيزة أساسية في بناء الهوية المغربية، وأن الاعتراف بها ممارسة يومية تتجلى في الفضاء العام، وفي الثقافة والفنون، وفي أسلوب العيش المشترك، هكذا تؤكد أكادير، مرة أخرى، أنها مدينة الذاكرة والانفتاح، وواجهة لمغرب متصالح مع ذاته، معتز بتعدده، ومنفتح بثقة على محيطه الإفريقي والعالمي .



