
✍️محمد الطالبي
أخطر ما يمكن أن يصيب الرياضة ليس الهزيمة، بل أن تتحول إلى غنيمة سياسية. فحين تُستغل انتصارات المنتخب، أو إنجازات الأندية، أو فرحة المغاربة، لبناء مجد شخصي أو صناعة زعامة، نكون قد غادرنا منطق الرياضة ودخلنا منطقًا آخر لا علاقة له بالمنافسة ولا بالوطن.
منطق الرياضة ومنطق السياسة لا يلتقيان؛ بينهما برزخ لا يبغيان. فالرياضة تُحسم في الملعب، أما السياسة فتُحسم بالدستور، وبالمؤسسات، وبالمحاسبة، وبالاختيار الديمقراطي. والخلط بينهما لا يخدم لا الرياضة ولا السياسة، بل يخدم من يريد استثمار العاطفة الجماعية لتحقيق نفوذ لا تمنحه صناديق الاقتراع ولا الاختصاصات الدستورية.
كرة القدم ليست ملكًا لأحد، كما أن المنتخب الوطني ليس شركة خاصة، ولا الانتصارات رصيدًا انتخابيًا. إنها ملك للمغاربة جميعًا، وهي تُدار بمالهم العام، والمال العام لا يصنع أبطالًا إداريين، ولا يمنح أحدًا حق احتكار الفضل أو توزيع صكوك الوطنية.
ولا يحق لأي مسير، مهما بلغت سلطته أو شعبيته، أن يحل محل النجوم والأبطال. فاللاعبون لم يصنعهم مكتب، ولم تُخرجهم الاجتماعات، ولم تُنبتهم المكاتب المكيفة. صنعتهم الأسر المغربية، وصقلتهم المدارس والأحياء والمدربون، واحتضنهم الوطن في الداخل والمهجر، حتى أصبحوا عنوانًا لرفع العلم المغربي في أكبر المحافل.
لقد آن الأوان للخروج من منطق التوظيف السياسي للرياضة، لأن هذا التوظيف لا يسيء إلى السياسة فقط، بل يسيء إلى الرياضة نفسها. فمن غير المقبول أن يُترك السياسي وحده في مواجهة الغضب الشعبي كلما تعثرت التنمية أو التعليم أو الصحة، بينما يُراد لمن يدبر قطاعًا يستفيد من المال العام أن يبقى بمنأى عن النقد، وأن يُعامل وكأنه فوق المحاسبة، وأن تُصنع حوله هالة من التقديس لا تنسجم مع دولة المؤسسات.
إن منطق الدولة لا يقوم على توزيع المسؤولية حسب المصلحة. فلا يمكن تأميم النجاح لفائدة شخص، ثم تحميل السياسي وحده مسؤولية الإخفاقات. فمن يريد أن يُنسب إليه الإنجاز، عليه أن يقبل كذلك بالمحاسبة. ومن يتولى تدبير مرفق يستفيد من المال العام، لا يمكن أن يكون فوق النقد أو خارج دائرة المساءلة.
السياسي والسياسية رمزان للتطوع لا للتطويع. والرياضة رسالة لتوحيد المغاربة، لا لصناعة الزعامات ولا لتقديس الأشخاص. فالدول تُبنى بالمؤسسات، لا بالأفراد، وبالقانون، لا بالهالة الإعلامية.
إن المغرب يستحق رياضة قوية، كما يستحق سياسة قوية. ويستحق قبل ذلك أن تبقى الرياضة في مكانها الطبيعي، وأن تبقى السياسة في مجالها الدستوري. فالرياضة يجب أن تظل مصدرًا للوحدة الوطنية، لا وسيلة لبناء نفوذ سياسي موازٍ، ولا غنيمة تُستثمر لتزكية أشخاص، أو لمزاحمة الحكومة في أدوارها واختصاصاتها التي يحددها الدستور. فلكل مؤسسة مجالها، ولكل مسؤول حدود مسؤوليته، ولا أحد يملك حق اختزال الوطن أو احتكار إنجازاته.
فالرياضة توحد المغاربة، أما تسييسها فيفرق بينهم. والإنجازات الوطنية تُنسب إلى الوطن، لا إلى الأشخاص، لأن الأوطان لا تُدار بالتصفيق، بل بالمؤسسات، وباحترام الدستور، وبالفصل الواضح بين الاختصاصات. وحين يختلط منطق الرياضة بمنطق السياسة، يخسر الاثنان معًا، وتصبح الإنجازات الوطنية وسيلة لمزاحمة الحكومة في أدوارها الدستورية بدل أن تكون مصدرًا لإشعاع الوطن ووحدته.



