أنس الملحوني.. عندما تُتوَّج “الدقة المراكشية” دكتوراه فوق منصة الأكاديمية

هند جوهري
في لحظة التقت فيها أصالة الهوية المغربية بصرامة البحث الأكاديمي، شهدت رحاب كلية اللغات والآداب والفنون بمراكش حدثاً ثقافياً استثنائياً؛ إذ لم يكن الأمر مجرد مناقشة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، بل كان أشبه باعتراف مؤسساتي رفيع بأحد أكثر الفنون الشعبية تجذراً في الوجدان المغربي.
فقد توج الباحث والأستاذ أنس الملحوني بلقب “دكتور” في تخصص “أدب وفنون”، بعد أن اختار النبش في عمق التراث اللامادي عبر أطروحته الموسومة بـ “إشكاليات دراسة الفنون الشعبية الغنائية المغربية: نحو بلورة مقاربة تحليلية لفن الدقة المراكشية”.
هذا الإنجاز العلمي، الذي نال ميزة “مشرف جداً مع التنويه وتوصية بالطبع”، حظي بتقدير كبير من لجنة علمية ضمت نخبة من ألمع الأساتذة والباحثين، وتحت إشراف متميز للدكتور أحمد زنيبر.

ولعل أهمية هذه الأطروحة تكمن في كونها تفتح الباب على مصراعيه أمام الجامعة المغربية لاحتضان الفنون الشعبية، وإخراجها من دائرة التلقي العفوي إلى فضاء التحليل والمقاربة العلمية الرصينة، مبرزة الأبعاد الفنية والاجتماعية والثقافية لفن “الدقة المراكشية” الذي ظل لقرون نابضاً في الساحات والأزقة والبيوت.
ولم يكن هذا التميز وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار مهني وعلمي متشبع بالموسيقى والإعلام، فالدكتور أنس الملحوني يجمع بين أستاذيته لمادة التربية الموسيقية، وخبرته الميدانية الطويلة كصحافي ومعد برامج بـ “إذاعة مراكش”، هذه التجربة الإعلامية الفريدة مكنته من ملامسة التراث الموسيقي عن قرب، والإنصات بنبض الخبير لخصوصيات الفن المغربي، مما أضفى على بحثه الأكاديمي مسحة واقعية وقيمة مضافة تجاوزت التنظير الجاف إلى العمق الميداني.
وإذا كان لكل شجرة جذور، فإن للدكتور أنس شجرة عائلية ضاربة في أعماق الإبداع المغربي، فهو سليل أسرة ارتبط اسمها بفن الملحون جيلاً بعد جيل؛ إذ يحمل مشعل والده الأستاذ عبد الرحمان الملحوني، الوجه البارز في صيانة الثقافة والتراث، ويمتد هذا النبع الأصيل إلى جده المرحوم الشيخ محمد بن عمر الملحوني، أحد كبار شيوخ هذا الفن بمراكش، الذي أفنى عمره في حفظ رواياته وتلقينه للأجيال، من هذا الرصيد العائلي الممتد، تشكل وعي الدكتور أنس ووجدانه، ليكون خير خلف لخير سلف، محولاً ذاكرة أسرته ومحيطه إلى مادة علمية تخدم الوطن وتصون ذاكرته الجماعية.
إن هذا التتويج الأكاديمي ليس تشريفاً لشخص الدكتور أنس الملحوني وعائلته الكريمة فحسب، بل هو تكريم لكل عشاق التراث المغربي، واعتراف صريح بأن الفنون الشعبية هي الركيزة الأساسية للهوية الثقافية.
ومع هذا الغرس الطيب الذي أثمر علماً ونوراً، تنضاف لبنة جديدة ومضيئة إلى خزانة البحث الجامعي المغربي، على أمل أن تظل هذه الخطوات ملهمة لمزيد من العطاء الثقافي الذي يحفظ للمغرب أصالته وتفرده بين الأمم.



