ثقافة وفن

دور طريق الحرير في التبادل الموسيقي بين المغرب والصين

مكتب اسفي؛ فؤاد الياجيزي

لم يكن طريق الحرير مجرّد مسارٍ تجاريٍّ لنقل البضائع بين الشرق والغرب فحسب ، بل كان جًسرًا ثقافيًا حيويًا لنقل الأفكار والثّقافات والمعتقدات، والفنون،- بما في ذلك الموسيقى -، فعلى اِمتداد قرون، ساهم هذا الطريق في خلق تفاعلٍ موسيقيٍّ عميق بين حضاراتٍ متعدِّدة من بينها المغرب والصين، اللّتان تشتركان في إرثٍ موسيقيٍّ يعكس هذا التبادل التاريخيّ.
إن طريق الحريرأكثر من مجرد طريق تجاري، فهر يُعرّف بأنه شبكة من الطرق التّجارية التي ربطت بين الصين والشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا، بدءًا من القرن الثاني قبل الميلاد. لكن دوره تجاوز الجانب الاقتصادي؛ ليشمل نقل الثّقافات والفنون والعلوم. فخلال عهد أسرة تانغ (القرن السابع إلى التاسع الميلادي)، ازدهر طريق الحرير بشكل كبير، حيث لم تُنقل السّلع فقط إلى الصّين ، بل أيضًا الموسيقى، والرقص، والأزياء، والأطعمة،من غرب آسيا وآسيا الوسطى. وفي المقابل، صدّرت الصّين فنونها وتقنياتها؛ كصناعة الورق، والطّباعة، والخزف، والبارود….
و دليلاً على التّبادل الموسيقيِّ، يُعد السّلم الخُماسيّ (Pentatonic scale)، من أبرز الأدلّة على التّبادل الموسيقيّ بين المغرب والصين عبر طريق الحرير. هذا السّلّم، المكوّن من خمس نغمات أساسية، يُستخدم على نطاق واسع في الموسيقى الأمازيغية، خاصة في منطقة سوس، كما أنه حاضر بقوة في الموسيقى الصّينية التّقليدية، خاصّة في إقليم “شينجيانغ” ذي الأغلبية المسلمة.
ويرى “فان بولينغ” ، قائد فرقة “طريق الحرير” الصّينية، أن التّشابه الموسيقيّ بين المغرب والصّين، يعود إلى تأثيرات ثقافية قديمة، مشيرًا إلى أن السّلّم الخماسيّ هو سِمة مُشترَكَة بين موسيقى البلدين، ما يعكس عمق التّبادل الثّقافي عبر القرون.
ثم إن تبادل الفنون لم يقتصر على تبادل الموسيقي فقط، بل شمل أيضًا الآلات الموسيقية. فآلات مثل “الرباب” الأمازيغية و”الإيرهو” الصينية، وكلاهما من الآلات الوترية التقليدية، تشتركان في التّصميم والوظيفة، ما يعكس تأثيرًا متبادلاً عبر طريق الحرير.
كما تشير الدراسات إلى أن آلات موسيقية أخرى، مثل “العود” العربي و”البّيبا” الصّينية، تأثّرت ببعضها البعض عبر هذا الطريق، حيث انتقلت الأفكار الموسيقية والآلات بين الحضارات عبر التّجّار، والموسيقيّين، والرّحالة.
ويلعب العرب والفرس، دورًا مهمًا كوسطاء ثقافيين في نقل الموسيقى بين إفريقيا والصين عبر طريق الحرير. فقبل القرن الخامس عشر، لم تكن هناك علاقات رسمية مباشرة بين إفريقيا والصين، لكن العرب والفرس قاموا بنقل الممارسات الموسيقية والثقافية حول المحيط الهندي، وصولًا إلى الأندلس والصين.
ويشير الباحثون إلى أن هذا التبادل ساهم في خلق “تنوّع ضمن وحدة موسيقية”، حيث انتشرت آلات مثل “الباربات” الفارسي، و”العود” العربي، و”البيبا” الصينية، و”الكويترا” الإفريقية، عبر هذه الشبكة الثقافية.
ثم إن التبادل الثقافي المعاصرقد ساهم في إحياء إرث طريق الحرير، من خلال مبادرات ثقافية مثل “مبادرة الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في 2013، والتي تهدف إلى إعادة إحياء طريق الحرير التاريخي، وإقامة روابط تجارية وثقافية وإنسانية جديدة.
وفي هذا الإطار، احتفى المغرب والصّين سنة 2018 بمرور ـ”ألف سنة من التبادلات الثقافية” من خلال معرض للصّور في بّيكين، سلّط الضوء على نقاط التلاقي بين المحطة الأولى لطريق الحرير في الصين ومحطتها الأخيرة في شمال إفريقيا.
كما اختير المغرب ضَيف شرفٍ في “أسبوع طريق الحرير” بمدينة هانغتشو الصينية في 2026، حيث تصدّر المشهد الثّقافي في المتحف الوطني للحرير،تخليدًا لذكرى إدراج طريق الحرير ضمن قائمة التّراث العالمي لليونسكو في 2014.
ومهما يكن ،يظل طريق الحرير رمزًا للتبادل الثقافي والإنساني بين الحضارات، حيث ساهم في خلق تفاعل موسيقي عميق بين المغرب والصين. فبينما يردِّد الأمازيغ ألحانهم في جبال الأطلس، يعزف الصينيون مقطوعاتهم في مدن الشرق الأقصى، في تناغم يعكس عمق التاريخ المشترك، ويؤكد أن الموسيقى لغة عالمية، تتجاوز الحدود، وتجمع بين الشعوب عبر الزمان والمكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock