مقالات واراء

أحداث الاقتحام الجماعي لسبتة بين الواقع الميداني ودوافع المغامرة غير المحسوبة

هند جوهري

​تتطرق هذه الشهادة( شهادة من سيدة مغربية لقناة ايكو بريس ) إلى أحداث المحاولات الجماعية للاقتحام غير النظامي لمدينة سبتة، وهي الواقعة التي شهدت تدفق أعداد من الشباب والمهاجرين عبر الحدود البحرية والبرية في ظروف دراماتيكية. ومن خلال معايشة ميدانية ودخول قانوني للمدينة، تضعنا المتحدثة أمام مفارقة صارخة بين الأوهام التي تدفع هؤلاء الشباب نحو القفز في المجهول وبين الحقائق المريرة التي تصدمهم فور وصولهم. فبينما اختار من امتلكوا الحد الأدنى من الوعي العقلاني العودة سريعاً بعد اكتشافهم غياب أي أفق مستقبلي، ظل العالقون هناك ينكوى بنار العوز والضياع؛ مما يحول هذه المحاولات من بحث عن فرصة عيش أفضل إلى أزمة إنسانية تُسقط المساحيق عن شعارات الهجرة وتكشف عن واقع مأساوي لا يخدم أحداً.


​وبالتحليل للخطاب الصريح الذي تقدمه السيدة، يتضح أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود ظروف قاهرة شاذة كالمجاعة داخل المغرب، بل في أزمة بناء الذات وغياب التأهيل لدى هذه الفئة من الشباب. إن الانفصال عن الواقع يظهر جلياً في تدني مستويات التأهيل المعرفي واللغوي للمهاجرين غير النظاميين، حيث يفتقر أغلبهم لأبسط أدوات التواصل أو المهارات التي تمكنهم من الاندماج الاجتماعي والمهني في بيئات جديدة. وهذا ما يجعل اندفاعهم مجرد سلوك اتكالي يفتقر إلى العقلانية التي تتسم بها عادة هجرة الكفاءات، ويمارس نوعاً من الهروب غير المبرر من استحقاقات العمل والاجتهاد داخل الوطن، حيث يظل باب النجاح مفتوحاً لمن يملك الإرادة والمؤهلات.

​تُبرز هذه القراءة الواقعية الأثر الانعكاسي الصادم لهذه الظاهرة على السمعة الجماعية والكرامة الوطنية؛ إذ إن السلوكيات الفوضوية والمظاهر القاسية التي يرسمها المهاجرون العالقون في أزقة سبتة تتحول إلى مادة لتشويه صورة المجتمع ككل. إن النتيجة الحتمية لهذه المغامرات غير المحسوبة هي إنتاج المشاكل وتبديد الطاقات في اللاشيء، مما يستوجب تجاوز خطاب التبرير والتعامل بشفافية مع جذر الأزمة، والمتمثل في ضرورة الرفع من وعي الشباب، وترسيخ قيم المسؤولية الفردية والتأهيل المهني واللغوي، كبديل حقيقي عن الانسياق وراء سراب لا يجلب لصاحبه ولبلده سوى المعاناة والابتذال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock