الموصل والمغرب.. حين تلتقي الأزقة وتبقى للمدينة هويتها

تمار عامر
في الموصل القديمة، لا تبدأ الحكاية من الحجر وحده، بل من الأزقة التي حفظت خطوات أهلها، ومن البيوت التي بقيت تحمل ملامح المدينة رغم ما مرّ عليها من سنوات قاسية. وبين العوجات الضيقة والبيوت المتقاربة، تظهر تفاصيل قد تدفع الزائر إلى تذكر مدن مغربية قديمة مثل فاس وتطوان، لكن الموصل هنا لا تبدو نسخة من مدينة أخرى؛ لها طابعها الخاص الذي تشكل عبر تاريخ طويل.
الأزقة الموصليّة القديمة لم تأتِ بهذا الشكل مصادفة. ضيقها وتعرجها ساعدا على توفير الظل وتقليل تعرض المارة والبيوت لحرارة الشمس، كما منحت هذه التخطيطات الأحياء قدرًا من الخصوصية. وبين تلك الأزقة تتجاور البيوت، بينما ينفتح الكثير منها إلى الداخل، حيث الساحات التي كانت تشكل قلب الحياة العائلية.
في البيت الموصلي التقليدي، كان الفناء الداخلي مساحة للحياة اليومية، تحيط به غرف المنزل، وتمنحه الأشجار والنباتات والماء شيئًا من الراحة في أجواء الصيف. وفي العمارة المغربية القديمة تظهر فكرة قريبة من ذلك في الرياضات والبيوت ذات الأفنية الداخلية، وهو أحد التفاصيل التي تجعل المقارنة بين المكانين لافتة رغم المسافة الكبيرة بين الموصل والمغرب.
لكن الموصل تحتفظ بتفاصيلها الخاصة. فالأقواس، والأحجار، والأبواب، ونقوش البيوت القديمة، كلها تشكل جزءًا من شخصية المدينة المعمارية. ويبرز بينها «حجر الفرش» الذي ارتبط بالعمارة الموصلية، وأصبح من التفاصيل التي تستوقف من يتأمل البيوت القديمة.

وفي الوقت الذي تحافظ فيه مدن مغربية على الزليج الملون والزخارف الجبسية، تكشف الموصل عن جمال مختلف تشكل من موادها وبيئتها وحرفييها. اختلاف التفاصيل لا يلغي التشابه في الفكرة؛ فالبيت في كلتا التجربتين لم يكن مكانًا للسكن فقط، بل جزءًا من هوية المدينة.
هذه الهوية تحاول الموصل استعادتها اليوم من خلال مبادرات شبابية تعيد النظر في أحيائها القديمة. ومن بين هذه المبادرات «بهجة الزقاق» في حي المشاهدة، حيث أعاد مجموعة من الشباب رسم ملامح أحد الأزقة باللونين الأزرق والأبيض، في مشهد يستحضر مباشرة ألوان مدينة شفشاون المغربية.
هنا تبدو الحكاية أكثر جمالًا؛ فشباب الموصل لم يكتفوا بالنظر إلى التجربة المغربية من بعيد، بل أخذوا منها فكرة اللون والبهجة، ثم وضعوها في زقاق موصلي يحمل ذاكرة مختلفة. وكأن الأزرق والأبيض قطعا المسافة بين الموصل وشفشاون، والتقيا في مكان جديد، ليمنحا جدرانًا أنهكتها الحرب فرصة أخرى للظهور.
ولم تكن الفكرة مجرد تقليد لمدينة أخرى، بل محاولة لإعادة الحياة إلى المكان بطابع موصلي. فكل جدار في ذلك الزقاق يحمل جزءًا من ذاكرة المدينة، وكل لون جديد يضيف طبقة أخرى إلى الحكاية. وهكذا يصبح استلهام التجربة المغربية مساحة للتلاقي الثقافي، لا لإلغاء خصوصية الموصل.
والموصل لا تختصر في عمارتها وحدها. فهي مدينة لها تراثها الموسيقي والغنائي، ومقامها الموصلي الذي يمثل جانبًا مهمًا من ذاكرتها الثقافية. وكما احتفظت مدن المغرب بفنونها وألحانها، حافظت الموصل على أصواتها وموسيقاها التي انتقلت بين الأجيال.
لهذا فإن التشابه بين الموصل وبعض المدن المغربية لا يلغي خصوصية أي منهما. على العكس، هو يفتح نافذة للتعرف إلى مدن عربية بعيدة جغرافيًا، لكنها قد تلتقي في بعض تفاصيل العمران وطرق حفظ الذاكرة، وفي قدرتها على تحويل المكان إلى جزء من الحكاية.

الموصل، في هذه المقارنة، لا تقف على هامش الحكاية، كما أن المغرب ليس مجرد صورة عابرة فيها. كلاهما يحمل مدنه القديمة وذاكرته وتفاصيله الخاصة، لكن «بهجة الزقاق» تقدم صورة جميلة لما يمكن أن يحدث عندما تنتقل فكرة من مدينة إلى أخرى، فتأخذ لونًا جديدًا دون أن تفقد أصلها.
وبين حجر قديم وزقاق ضيق ولون مستوحى من مدينة مغربية، تستمر الموصل في كتابة فصل آخر من حكايتها؛ حكاية مدينة لا تريد أن تبقى أسيرة ماضيها، بل أن تعود إلى الحياة، وأن تجد في تجارب المدن الأخرى ما يضيف إلى جمالها دون أن يغيّر هويتها.



