الصحافة المكتوبة في المغرب قبل الثورة الرقمية.. ذاكرة الورق وصناعة الرأي العام

مكتب اسفي / فؤاد الياجيزي
قبل أن تفرض الصحافة الإلكترونية إيقاعها السريع وتحوّل الهاتف الذكي إلى نافذة للأخبار، كانت الصحافة المكتوبة في المغرب تؤدي دورًا محوريًا في نقل الخبر، وتأطير النقاش العمومي وصناعة الرأي العام. فقد شكلت الجريدة الورقية، لعقود طويلة، مصدرًا رئيسيًا للمعلومة، وفضاءً للنقاش السياسي والثقافي والاجتماعي.
وقد ارتبطت البدايات الأولى للصحافة في المغرب، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بالسّياق الاستعمار، وبالصراع بين القوى الأجنبية حول البلاد،فمع فترة الحماية، برزت صحف وطنية جعلت من الدفاع عن الهوية والمطالبة بالاستقلال محورًا لخطابها، فأسهمت في نشر الوعي الوطني ومواجهة الدعاية الاستعمارية.وبعد الاستقلال سنة 1956، توسعت التجربة الصحفية، غير أن جزءًا كبيرًا من المشهد ظل مرتبطًا بالأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المهنية. فكانت الصحف تؤدي، إلى جانب وظيفتها الإخبارية، دور المنبر السياسي والتنظيمي؛ تنقل مواقف الهيئات التي تصدرها وتدافع عن خياراتها وتواكب الصراعات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
ومهما يكن فقد كانت الجريدة الورقية طقسا يومياً ومؤسسة للتكوين،إذ لم تكن الصحيفة الورقية مجرد وسيلة لعرض الأخبار، بل كانت جزءًا من الحياة اليومية لمغاربة، تشغل اهتمامهم في المقاهي والإدارات كما في محطات السفر والبيوت، وكان اقتناء الجريدة وقراءتها ومناقشة مضامينها عادةً مرتبطة بمتابعة الشأن العام.
وكانت الصحافة المكتوبة تستند إلى إيقاع مهني مختلف عن الإيقاع الرقمي الحالي الذي يدفع نحو اجتماع تحرير يومي، مراسلون في الميدان، اتصالات هاتفية متكررة بالمصادر، مراجعة لغوية وقانونية، ثم الانتظار إلى صباح اليوم التالي لمعرفة ما إذا كانت الجريدة قد وصلت إلى القارئ،لذلك ارتبطت قيمة الخبر بجهد التّحقّق وبمسؤولية التحرير قبل الطباعة، رغم ما كان يحيط العمل الصحفي من قيود وضغوط سياسية واقتصادية.
وقد أدت الجرائد دورًا في تكوين أجيال من الصحفيين والكتاب والمثقفين، وفتحت صفحاتها للتحقيق ات والحوارات وأعمدة والرأي والنقد الثقافي، وكانت الصفحات الثقافية والملحقات الأسبوعية فضاءً للتعريف بالإنتاج الأدبي والفني، بينما أسهمت الصفحات المحلية في نقل انشغالات المدن والقرى وقضايا المواطنين.
ومع بداية تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة ظهرت صحافة و عناوين خاصة ومستقلة نسبيًا عن التنظيمات الحزبية، مستفيدة من أجواء الانفتاح السياسي والحقوقي. ومن أبرز التجارب التي طبعت هذه المرحلة صحف ومجلات نذكر منها على سبيل النموذج «لوجورنال»، و«الصحيفة»، و«الأحداث المغربية»، ثم «الأيام» و«المساء» و«أخبار اليوم» في مراحل لاحقة. وقد ساهمت هذه العناوين في تجديد لغة الصحافة وتوسيع مجال التحقيق والملف الاجتماعي والسياسي.
غير أن هذه التجارب واجهت صعوبات متعددة، منها كلفة الطباعة والتوزيع، وضعف سوق الإشهار، وتفاوت القدرة الشرائية للقراء، فضلًا عن إجراءات اخرى قانونية وسياسية كان لها دور في هامش العمل الصحفي. ومع ذلك، ظل الورق مجالًا مهمًا للصحافة المهنية وللنقاش العمومي الهادئ والمتدرج.
فقبل الشاشة تميزت قيمة الخبر والمسؤولية، فقد
تميزت الصحافة الورقية قبل الانتشار الواسع للإنترنت بأن دورة إنتاج الخبر كانت أبطأ، لكنها أتاحت في كثير من الأحيان هامشًا أكبر للتدقيق والتحرير وتعدّد زوايا المعالجة
فلم يكن السبق الصحفي يقاس بعدد الثّواني اللاّزمة لنشر المعلومة، بل بمدى دقتها وأهميتها وقدرتها على تفسير الوقائع للقارئ.
ومع بداية الألفية الثالثة، بدأت المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الإجتماعي في تغيير عادات القراءة والإعلان والتوزيع، فالخبر صار يصل إلى المتلقي فور وقوعه، مما أصبحت معه الجريدة الورقية تواجه سباقًا غير متكافئ مع السّرعة المجّانية للمنصّات الرقمية. وتؤكد دراسات إعلامية أن الصحافة الورقية كانت من أكثر القطاعات تأثرًا بالتحول الرقمي، خاصة بفعل انتقال الجمهور والإعلانات نحو الإنترنت.
ومهما يكن فالذاكرة المهنية لا تنتهي، إذ
رغم تراجع حضورها التجاري أمام الصحافة الإلكترونية، تظل الصحافة المكتوبة جزءًا أصيلًا من ذاكرة المغرب الحديثة. فقد وثّقت مراحل النّضال الوطني، وتحولات الدولة والمجتمع، والصراعات السياسية، وتطور الثقافة والفنون، كما أسهمت في تكوين تقاليد مهنية ما تزال الصحافة الرقمية في حاجة إليها كالتحقق من الخبر، واحترام حق الرد، والتدقيق اللغوي، والتمييز بين الرأي والمعلومة.
إن انتقال الصحافة إلى الفضاء الرقمي لا يلغي قيمة التجربة الورقية، بل يجعل استحضارها ضروريًا. فالمستقبل الإعلامي لا يختزل في سرعة النشر علما بأهميته، وإنما يقوم أيضًا على المهنية والمصداقية والقدرة على خدمة حق المواطن في معرفة دقيقة ومسؤولة



