ثقافة وفن

بوابة نرگال في الموصل.. حكاية أثر آشوري تختزن التاريخ والأسطورة

✍️ تمار عامر

 

في مدينة الموصل العراقية، حيث تتعانق آثار الحضارات وتختزن حجارتها حكايات آلاف السنين، تقف بوابة نرگال شاهداً على عظمة نينوى القديمة، المدينة التي كانت عاصمة للإمبراطورية الآشورية وأحد أبرز مراكز الحضارة في بلاد الرافدين.

 

وتُعد بوابة نرگال، المعروفة أيضاً باسم باب نركال، من أبرز البوابات الأثرية في سور مدينة نينوى، وتقع في جهته الشمالية ضمن الساحل الأيسر لمدينة الموصل الحالية. وقد شُيّدت في عهد الملك الآشوري سنحاريب نحو عام 700 قبل الميلاد، ضمن أعمال تحصين المدينة وتوسعتها، وكان السور يضم ثماني عشرة بوابة تؤدي دوراً دفاعياً وتنظيمياً مهماً.

 

وتكشف تفاصيل البوابة عن براعة العمارة الآشورية وضخامة منشآتها، إذ يبلغ عرض مدخلها نحو 7.8 أمتار، فيما يصل عرض واجهتها مع البرجين الجانبيين إلى نحو 20.7 متراً. لكن أكثر ما يلفت الانتباه فيها تمثالان ضخمان من الثيران المجنحة المعروفة باسم «لاماسو»، اللذان كانا يتقدمان مدخلها في مشهد يجمع بين الهيبة والفن.

 

واللاماسو كائن أسطوري في المعتقدات الآشورية، يجمع بين رأس الإنسان وجسد الثور وأجنحة الطيور، ويرمز إلى القوة والحكمة والحماية. ولم تكن هذه المنحوتات مجرد عناصر للزينة، بل كانت توضع عند مداخل المدن والقصور والمعابد لتؤدي وظيفة حارسة ذات دلالة رمزية.

 

ومن التفاصيل الفنية اللافتة في بعض تماثيل اللاماسو أنها نُحتت بخمس قوائم؛ فعند النظر إليها من الأمام تبدو ثابتة وراسخة، بينما تظهر وكأنها تتحرك عند مشاهدتها من الجانب، في معالجة فنية تعكس دقة النحات الآشوري وقدرته على الجمع بين الثبات والحركة في منحوتة واحدة.

 

أما اسم البوابة فيعود إلى الإله نرگال، الذي ارتبط في معتقدات بلاد الرافدين القديمة بالعالم السفلي والموت والوباء، وكان من الآلهة البارزة في مدينة كوثى. ويرتبط اسمه أيضاً بأسطورة نرگال وأرشكيجال، التي تروي نزوله إلى العالم السفلي وارتباطه بملكته أرشكيجال، في حكاية تكشف جانباً من الميثولوجيا العراقية القديمة وتصورات الإنسان آنذاك عن الحياة والموت والعالم الآخر.

 

وقد خضعت البوابة لأعمال تنقيب وإعمار عبر مراحل مختلفة، وأُعيد إنشاء واجهتها عام 1956، لتبقى أحد الشواهد المهمة على تاريخ نينوى وفنونها المعمارية والنحتية.

 

غير أن هذا الإرث لم يسلم من الاعتداءات؛ ففي عام 2015 تعرضت البوابة وتماثيلها للتخريب والتدمير على يد تنظيم داعش الإرهابي خلال سيطرته على الموصل، في خسارة كبيرة طالت جزءاً من الذاكرة الحضارية للعراق.

 

ورغم ما أصابها، بقيت بوابة نرگال حاضرة في ذاكرة المدينة، بما تحمله من دلالات تاريخية وفنية، فهي ليست مجرد مدخل قديم إلى نينوى، بل شاهد على حضارة تركت بصمتها في تاريخ الإنسانية.

 

فالموصل التي تحتضن هذه الشواهد لا تحفظ حجارة الماضي فحسب، بل تحمل بين أحيائها ذاكرة حضارة ما زالت تستحق أن تُروى للعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock