الكتاني: المبادرة الملكية الأطلسية رؤية مغربية لتحويل المحيط الأطلسي إلى محور للتكامل الإفريقي

بقلم : فؤاد الياجيزي.
دعت مداخلة أكاديمية أُلقيت بالرباط إلى النظر إلى المبادرة الملكية لأفريقيا الأطلسية بوصفها مشروعاً استراتيجياً يتجاوز التعاون التقليدي بين الدول الساحلية، نحو بناء فضاء إفريقي متّصل يجمع الإقتصاد والطاقة واللوجستيك والرقمنة والأمن والتنمية البشرية.
وأكد الدكتور نجيب الكتاني أن المبادرة تفتح الطريق أمام إعادة تموقع القارة الإفريقية في سلاسل القيمة والتجارة العالمية.
وكانت قاعة الشريف الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، قد احتضنت الدرس الإفتتاحي للفوج الثالث من ماستر الجغرافيا الإقتصادية والسياسية لإفريقيا، تحت شعار “المبادرة الملكية لأفريقيا الأطلسية: من الخريطة إلى المتصل الجغرافي، نحو نموذج جغرافي جديد”.
وقدّم الدكتور نجيب الكتاني قراءة جيوسياسية وأكاديمية للمبادرة، استهلها باستعراض مسار الإندماج الإفريقي منذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية إلى إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
واعتبر أن التجربة الإفريقية، رغم تراكمها المُؤَسّساتي والإتّفاقي، ما تزال بحاجة إلى ركائز مادية ولوجستية قادرة على تحويل التقارب السياسي والاقتصادي إلى ترابط فعلي بين المجالات والأسواق.
من الواجهة إلى الاستمرارية
وأبرز المحاضر أن المبادرة الملكية لأفريقيا الأطلسية، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطاب 6 نونبر 2023 بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين للمسيرة الخضراء، تقدم رؤية جديدة لموقع إفريقيا في التحوّلات الدولية، عبر جعل الواجهة الأطلسية الإفريقية فضاء للتواصل والإندماج والتعاون بين بلدان الجنوب.
وطرح الدكتور الكتاني مفهوم “الإستمرارية الأطلسية” بوصفه مقاربة جيوسياسية جديدة، تقوم على الإنتقال من النظر إلى الأطلسي كواجهة جغرافية خارجية، إلى اعتباره فضاءً حيوياً مُتّصلا يُبنى عبر المشاريع والبنيات التحتية وشبكات التبادل. وقال إن هذا التصور يمتد من طنجة إلى كيب تاون، ويجعل من الساحل الأطلسي الإفريقي مركزا في إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية، بدل اِعتباره هامشاً تابعاً للمراكز التقليدية للقوة.
وعبر ممرات خمسة للتكامل لترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع ملموسة، عرض الدكتور الكتاني ما وصفه بـ”إستراتيجية الممرّات الخمسة”، وهي تشمل:
• الممرّ اللوجستي والمينائي، عبر الربط بين الموانئ الكبرى، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط ومشروع ميناء الداخلة الأطلسي.
• الممر الطاقي، الذي يستند إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي.
• الممر الرقمي والجوي.
• الممر البشري والأمني.
• الممر المعياري، الهادف إلى تسهيل المبادلات وتقريب الأطر التنظيمية بين الدول الإفريقية.
وشدّد المتحدّث على أن هذه الممرات لا ينبغي التعامل معها كمشاريع منفصلة، بل كمكونات مترابطة ضمن رؤية واحدة تستهدف تعزيز حركة السلع والخدمات والطاقة والمعرفة والأشخاص، وتوسيع فرص التنمية والتعاون جنوب-جنوب.
وأكد الدكتور نجيب الكتاني أن المبادرة تحمل بُعداً خاصاً في تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مشيرا إلى أنها تقدم للبلدان غير الساحلية فُرَصاً للإندماج في التجارة الدولية والإقتصاد البحري وشبكات النقل واللوجستيك. وتنص المبادرة، كما أعلنها جلالة الملك محمد السادس، على إتاحة البنيات التحتية المغربية البرية والمينائية والسكة الحديدية لدعم هذا الورش.
كما أبرز السيد الدكتور المحاضر الدور الذي يتعين على الجامعة والباحثين أداءه في مواكبة المبادرات ذات الامتداد الإفريقي، ليس عبر التعريف بها فحسب، بل أيضا من خلال تحليلها علميا وإنتاج المفاهيم والأطر النّظرية القادرة على فهم آثارها على الجغرافيا السياسية والاقتصادية للقارة.
وفي تفاعل أكاديمي
وفي تدخل له، نوّه الأستاذ موسى المالكي، منسق الماستر، بأهمية مفهوم “الإستمرارية الأطلسية” وما يوفره من إمكانات نظرية ومنهجية للبحث في الجغرافيا السياسية الإفريقية. وأشار إلى إمكانية إدماجه ضمن المدرسة الجيوسياسية الإفريقية المزمع إحداثها داخل الماستر، بما يفتح آفاقاً لبلورة مقاربات بحثية جديدة حول التحوّلات الجارية في الفضاء الإفريقي والأطلسي.
وتندرج هذه المحاضرة ضمن توجه ماستر الجغرافيا الإقتصادية والسياسية لإفريقيا إلى جعل القضايا الإفريقية والتحولات الجيوسياسية و الإقتصادية محوراً للتكوين والبحث، عبر استضافة الأكاديميين والباحثين والمختصين ومناقشة الملفات الإستراتيجية الراهنة.
وختمت المداخلة إلى أن الدرس الإفتتاحي لم يكن مجرد موعد أكاديمي، بل مناسبة لتقاطع المعرفة الجامعية مع القضايا الاستراتيجية التي تمسّ مستقبل إفريقيا، وتسليط الضوء على الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجامعة المغربية في التعريف بالمبادرات الملكية ومواكبتها علميا، وإغناء النقاش حول آفاق التكامل الإفريقي الأطلسي.



