روسيا والمينورسو…قراءة في الضربات الثلاث التي أعادت رسم معادلة الصحراءالمغربية

إعداد / فؤاد الياجيزي
لم تكن مواجهة مجلس الأمن الدولي حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة للإستفسار في الصحراء المغربية (المينورسو) مجرد صدام دبلوماسي عابر بين واشنطن وموسكو، وإنما كشفت، بمجرد إنتهائها، عن تحوّلات أعمق في موازين القوى الإقليمية.
فباستخدامها حق النّقض ضد مشروع القرار الأمريكي، ثم تقديمها بديلًا يُرجّح أنه غير قابل للقبول، ساهمت روسيا — عن قصد أو لا — في إفلات الملف من إطار الأمم المتحدة، وفتح مرحلة جديدة تضع المغرب أمام مسؤولية أكبر، والجزائر أمام خسارة حقيقيةبقفّاز روسي ناعم و رمزي ، ودول الساحل أمام أفق إقتصادي مغاير.
فالجزائر تلقّت من موسكو هدية انتصار دبلوماسي، ولما فتحتها وجدتها بلا مردود ميداني، حيث
لم يكن قرار موسكو بمنع إقرار النص الأمريكي مفاجئًا، إذ أن العلاقات الروسية–الجزائرية تحكمها اعتبارات إستراتيجية راسخة، أبرزها موقع الجزائر كحليف تاريخي ومورّد رئيسي للسّلاح الروسي في أفريقيا. وكان على الكرملين أن يقدم لرفيقه التقليدي إشارة سياسية واضحة، خصوصًا في ملف تعتبره الرباط والجزائر على حدٍّ سواء قضية مصيرية.
غير أن هذه الحماية الدبلوماسية، مهما كانت قيمتها الرمزية، لا تغير في جوهر الواقع على الأرض. فالمغرب يحافظ على سيطرته الفعلية على أقاليمه الجنوبية، ويواصل تنمية بنياته الاقتصادية واللوجستية فيها، فيما لم يمنح الفيتو الروسي الجزائر أي أداة عملية جديدة لتغيير المعطيات الميدانية.
وهنا تكمن مفارقة التحليل: إنتصار دبلوماسي في قاعة مجلس الأمن، يقابله جمود متواصل في التوازنات الحقيقية.
إن الطرف الثالث في هذه المعادلة، وهو الأقل حضورًا في النقاش الإعلامي، ويتمثل في دول الساحل: مالي وبوركينا فاسو والنيجر. فدولٌ محاصرة جغرافيًا، تعاني من ضعف المنافذ البحرية، وتسعى إلى تنويع شراكاتها الإقتصادية بعيدًا عن القيود الإقليمية التقليدية تجعل من مدينة الداخلة المغربية قلب معادلة الساحل.
وفي هذا السياق، تكتسب المبادرة الأطلسية المغربية، وميناء الداخلة الأطلسي، وشبكة الطرق العابرة للصحراء، أهمية إستراتيجية مضاعفة. فأي استقرار في الوضع القانوني والسياسي للأقاليم الجنوبية يخدم بشكل مباشر فكرة تحويل الداخلة إلى بوابة إقتصادية تربط الساحل بالمحيط الأطلسي. ومن منظور موسكو، التي وسّعت حضورها العسكري والدبلوماسي في دول الساحل، فإن انفتاح هذا الممر يخدم مصالحها ومصالح شركائها في آن واحد.
• لقد إنتقل المغرب إذن من الوصاية الأممية إلى المسؤولية الكاملة
فالأثر الأعمق، يتمثل فيما يترتّب على إنقراض بعثة المينورسو من تحوّلٍ في طبيعة إدارة الملف. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الوجود الأممي، لم يعد هناك إطار دولي مباشر ينظِّم التواصل بين الدولة المغربية وأقاليمها الجنوبية، ولا آلية رقابية دولية تقف بين الرباط وقراراتها التنموية والأمنية في المنطقة.
وهذا التحول يمنح المغرب حرّية أكبر في إدارة شؤونه الإقليمية، لكنه يرفع في المقابل سقف المسؤولية. فالخروج من إطار الأمم المتحدة لا يعني بالضّرورة حلّ الملف، بل نقله إلى مسار جديد تقوده المعطيات الميدانية والشراكات الإقتصادية والإقليمية، بعيدًا عن معادلة الإستفتاء التي ظلت تؤطّر النقاش لأكثر من ثلاثة عقود.
كل هذا يسمح بقراءة في «الضربة الثلاثية». حيث يمكن تلخيص أثر تحرك روسيا في ثلاث نقاط مترابطة:
فللجزائر: إنقاذ رمزي للماء الدبلوماسي، دون تغيير جوهري في الواقع الميداني.
أما لدول الساحل: فتسريع غير مباشر لمشروع الربط الإقتصادي مع المحيط الأطلسي عبر الداخلة المغربية.
وللمغرب: تحرير الملف من الإطار الأممي، واستعادة مساحة أوسع لصنع القرار المحلي.
وخلاصةفمهما كانت دوافع موسكو الفعلية، فإن النتيجة النهائية ترسم خريطة جديدة للمنطقة. فالجزائر تحتفظ بولاء حليفها الروسي، ودول الساحل تجد في المغرب شريكًا لوجستيًا متزايد الأهمية، فيما ينتقل المغرب إلى مرحلة جديدة يقود فيها ملف أقاليمه الجنوبية بمفرده، وبأدوات التّنمية والشّراكة بدل آليات الأمم المتحدة.
وهكذا، فإن ما بدا للبعض مجرد فيتو روسي في نيويورك، قد يكون في العمق بداية إعادة تشكيل لتوازنات شمال وغرب أفريقيا.



