قضية الدكتور رشيد شرقاب بين مسار النزاهة المهنية ومتاهات القضاء…….

هند جوهري
تهتز الساحة الطبية والحقوقية في المغرب من حين لآخر على وقع ملفات مثيرة للجدل، غير أن قضية البروفيسور رشيد شرقاب، أستاذ التعليم العالي في التخدير والإنعاش والممارس بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، استأثرت باهتمام غير مسبوق. فقد تحول هذا الطبيب، الذي عُرف في الأوساط الاستشفائية بقربه من الفئات الهشة وتفانيه في عمله الإنساني، من إطار صحي يُضرب به المثل في الالتزام المهني إلى نزيل بالمؤسسة السجنبة، في قضية ألقت الضوء على التابوهات الخفية لتدبير المرافق الصحية العمومية وتداعيات الاحتجاج المهني.
بدأت خيوط هذه القضية تتشكل على خلفية احتقان مستمر داخل المستشفى الجامعي ابن رشد، حيث وجد الدكتور شرقاب نفسه في قلب توترات مرتبطة بطريقة التسيير والتدبير اليومي للمرفق الصحي. ولم تكن هذه المواقف مجرد آراء عابرة، بل تطورت إلى صدامات واحتجاجات ونقاشات حادة حول اختلالات مفترضة، لتتحول هذه الخلافات المهنية إلى نزاعات قانونية بعد تبادل الاتهامات والشكايات بين الأطراف المعنية، ما دفع بالملف برمته إلى ردهات القضاء لوضع الحد للجدل القائم.
وأخذ الملف منعطفاً تصعيدياً خطيراً حين قررت النيابة العامة متابعة الدكتور شرقاب في حالة سراح في مرحلة أولى، قبل أن تدخل القضية مرحلة الحسم الابتدائي أمام المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء. وواجه الطبيب صك توجيهات ثقيلة شملت تهمة انتحال صفة منسق نقابي، وبث وتوزيع ادعاءات كاذبة ونشر وقائع زائفة، إلى جانب اتهامات بالتشهير والمس بالحياة الخاصة والطعن في شرف أشخاص آخرين.
وفي جلسة مثيرة، أصدرت المحكمة حكمها القاضي بإدانته بسنة واحدة حبساً نافذاً، مع اعتقاله الفوري من داخل قاعة الجلسات، إلى جانب أحكام أخرى تراوحت بين السجن النافذ والغرامات في حق متهمين آخرين توبعوا في نفس الملف.
خلّف هذا الحكم صدمة مدوية وسط عائلة الطبيب وزملائه وهيئات حقوقية ونقابية عديدة، والتي سارعت إلى التعبير عن تضامنها الواسع معه، وفي الوقت الذي تمسكت فيه الأطراف المشتكية والنيابة العامة بصون القانون وحماية الحياة الخاصة والأشخاص من التشهير، رأت الفئات المتضامنة أن متابعة وإدانة إطار بمثل كفاءة ونزاهة الدكتور شرقاب يشكلان ضربة للجهود الرامية لفضح الاختلالات الإدارية، معتبرة أن ما قام به يدخل في صميم التبليغ عن شبهات الفساد وحماية المرفق العام.
إلى حدود اليوم، يترقب الشارع الحقوقي والقانوني المغربي باهتمام بالغ انطلاق أطوار محاكمته الاستئنافية، حيث يعول دفاعه على مرحلة التقاضي الثانية لإنصاف موكلهم وإبراز ظروف وحيثيات ملفه المهني. وتظل هذه القضية عنواناً بارزا لنقاش وطني عريض حول المعادلة الصعبة بين حرية التعبير والتبليغ عن الخلل من جهة، وضوابط العمل الإداري وحماية المؤسسات والأفراد من التشهير من جهة أخرى.
لقد خلف هذا الحكم موجة عارمة من الحزن والقهر داخل أسرة البروفيسور شرقاب ومحيطه الاجتماعي، حيث لم تتقبل العائلة ما اعتبرته “حيفاً سافراً وظلماً ممنهجاً وتلفيقاً” استهدف كفاءة وطنية قضت زهرة عمرها في خدمة المرضى والطبقات الفقيرة، وقد تفجرت مشاعر الغضب والأسى داخل قاعة الجلسات على لسان أفراد أسرته ومحبيه الذين تعالت أصواتهم مراراً وتكراراً بعبارة “حسبياللهونعمالوكيل”، في مشهد مؤثر وثقته عدسات التعاطف والتضامن وهي الصرخات التي تركت صدى عميقاً وأشعلت منصات التواصل الاجتماعي ومواقع التراسل الفوري، محولة القضية إلى رأي عام وطني يطالب برفع الظلم وإنصاف طبيب أفنى مساره في التطبيب والإنقاذ.



