مقالات واراء

حدود المهنية بين حرية القلم وسقوط الإستهداف الشخصي

هند جوهري : مديرة نشر يسبريستيفي 

 

حين يتحول فضاء النقاش العمومي من مصارعة الأفكار ومقارعة الحجج إلى منصة لتوجيه البوصلة نحو الأشخاص، يفقد الحقل الصحافي والإعلامي وعاءه الأخلاقي الذي يحميه من الانزلاق نحو المزايدات وتصفية الحسابات الضيقة.

 

 

ولقد تابع المتتبعون للشأن الإعلامي الوطني مؤخراً خرجة مثيرة للجدل للإعلامي توفيق بوعشرين، اختار فيها أن يجعل من الزميلة الصحافية سناء رحيمي مادة لتعليقاته ومقالاته، مستحضراً خطابات وتأويلات جانبت الصواب حين انبرت لتوجيه الاتهامات المجانية وإطلاق العنان للتحامل الشخصي، في خطوة أعادت إلى الواجهة إشكالية التباس الحدود الفاصلة بين النقد المهني المشروع وبين الاستهداف المباشر الذي يسيء لمهنة المتاعب ولأخلاقيات الممارسة الصحافية برمتها.

 

 

إن الأصل في العمل الصحافي والفكري أن يرتكز على مناقشة المواقف وتقييم الإنتاج المهني في إطار الاحترام المتبادل والموضوعية الرصينة، غير أن إقحام الأسماء وتخصيص الأفراد بالاستهداف يطرح تساؤلات مشروعة حول الجدوى والأجندات الكامنة خلف مثل هذه الخرجات التي تحاول القفز على الثوابت المهنية. فالساحة الوطنية تزخر بالعديد من القضايا الكبرى والملفات المجتمعية الحارقة التي تستحق الغوص في تفاصيلها وتقديم تحليلات معمقة بشأنها، بدل الانشغال بتتبع خطوات الزميلات والزملاء وصياغة تعليقات تحوم حول الأشخاص بدل مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل.

 

 

إن الدفاع عن حرية التعبير وابتكار أساليب النقد لا يمكن أبداً أن يتحولا إلى مظلة لتبرير التجريح أو النيل من الاعتبار الشخصي والمهني للفاعلين في الحقل الإعلامي. فالكرامة المهنية للإعلاميين والصحافيين هي خط أحمر لا يقبل المساومة، والالتزام بأخلاقيات المهنة يفرض الترفُّع عن المزايدات الرخيصة التي تكرس ثقافة استهداف الذوات. إن الإعلام النزيل في عمق قضايا المجتمع ينتصر دائماً للرقي بالنقاش العام، ويؤمن بأن الاختلاف في الرأي مكسب ديمقراطي، لكنه يظل طاهراً من شوائب الشخصنة، ومترفعاً عن كل أشكال الوصاية والتسلط القلمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock