مجتمع

ملحمة المسيرة الخضراء .. ستبقى خالدة في الذاكرة للمملكة…

عبد اللطيف شعباني

بحلول الذكرى السابعة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة، التي تصادف السادس من نونبر من كل سنة، يخلد الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة، بأسمى مظاهر الفخر والاعتزاز، هذه الملحمة الساطعة في مسار الكفاح الوطني من أجل استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية للمملكة.

ويشكل تخليد هذا الحدث النوعي لحظة قوية لاستحضار الأمجاد التي طبعت هذه المحطة التاريخية، التي لم يسبق لها مثيل عبر العالم، والتي تظل منقوشة بمداد من ذهب في الذاكرة الحية للمغرب، الذي يواصل مسيرته المباركة نحو مدارج التقدم والرخاء تحت القيادة المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس

كما تنطوي ذكرى انطلاق المسيرة الخضراء على معان عميقة في استخلاصها واستلهامها شحن الإرادة الوطنية، وشحذ الهمم، وتقوية الجبهة الداخلية، بقدر ما في هذه الذكرى المجيدة من تجديد للعهد ، وتذكير بمرحلة فاصلة من تاريخ بلادنا، واجهت فيها مصيرا لم يكن يسمح بالتردد والتأجيل، فكان الإقدام على مشروع تاريخي انتقل بالمغرب إلى طور جديد من المواجهة مع بقايا الاستعمار الذي مزق النسيج الوطني ردحا من الزمن ، وكان على وشك تنفيذ مخطط رهيب في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، لو لم يبادر جلالة الملك الحسن الثاني بالتفكير في تنظيم المسيرة الخضراء التي باغت بها المستعمر، كما أربك حسابات الطامعين في المغرب الكارهين له المتآمرين عليه . فكانت المسيرة صفحة فاصلة بين فترة وأخرى، أصبح المغرب بها أكثر وعيا بنفسه، وأكثر قدرة على الاندماج في العالم بلا عقدة نقص. وبذلك يصح أن نقول بكل الثقة والاطمئنان والصدق مع النفس ، إن المسيرة كانت ميلادا لمغرب جديد، وأصبح للمغاربة قضية مصيرية يرتبط بها وجودهم ومصالحهم ومستقبلهم، واعتبروها القضية الوطنية بامتياز وجعلوها أولوية الأولويات.

لقد كان قائد المسيرة الأولى جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله على موعد مع التاريخ لما صدرت عن محكمة العدل الدولية في لاهاي الاستشارة القانونية يوم 16 من أكتوبر سنة 1975، فأعلن في خطاب تاريخي في اليوم الثاني أي 17من الشهر نفسه ، أنه سينظم مسيرة خضراء نحو الصحراء يسهم فيها المواطنون من مختلف أنحاء المغرب رجالا و نساء، يدخلون الصحراء دخول سلم ، وقال جلالته (سنذهب في مسيرتنا بدون سلاح، ولن نحارب إسبانيا ، لأنها لم تبق طرفا في الموضوع، ما دامت قد قررت الخروج من الصحراء). وكانت تلك إشارة من جلالة الملك إلى ما كانت مدريد قد خططت له من إقامة كيان هجين في الصحراء صنعته على عينها ليكون دائرا في فلكها . ولكن المسيرة أفسدت ذلك المخطط الاستعماري ليصبح من آثار الماضي البغيض .

كما حركت المسيرة الخضراء ملف الصحراء المغربية ودفعت به نحو اتجاه التفاوض مع إسبانيا ، الذي انتهى باتفاقية مدريد المبرمة في 14 نوفمبر، بعد ثمانية أيام من انطلاق المسيرة، وخمسة عشر يوما من الإعلان عنها . وكانت تلك تجلية من تجليات العبقرية القيادية لجلالة الملك الحسن الثاني .

وقد تجددت هذه العبقرية لدى جلالة الملك محمد السادس الذي ورث قيادة المسيرة من والده القائد الفذ ، حيث تواصلت هذه المسيرة في أطوارها المتجددة ، وعلى مستويات عدة اقتضتها تطورات القضية الوطنية المركزية ، فكان الإعلان عن مبادرة الحكم الذاتي في شهر أبريل سنة 2007 ، التي رأى فيها عدد من الدول العظمى ، ومنها دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أنها تمثل الحل السياسي الواقعي والعملي والعادل والدائم للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

وهو الموقف الثابت للمملكة المغربية، يعد في حقيقة الأمر ضربا من المسيرة الخضراء في مجالها الديبلوماسي .

ومنذ أن اعتلى جلالة الملك العرش والقضية الوطنية الكبرى التي لا تشغل جلالته عنها أي قضية أخرى . وفي هذا المجال الحيوي، يعد التطور الشامل والواسع والعميق الذي تعرفه أقاليمنا الجنوبية، وجها آخر للمسيرة الخضراء التي تتجدد صورها ومجالاتها، فالصحراء المغربية اليوم في وضع متقدم من الانتعاش الاقتصادي والتوسع العمراني والازدهار الاجتماعي على جميع المستويات، بحيث يمكن أن نقول إن الصحراء المغربية تسير في مسيرة إنمائية حضارية رفيعة المستوى، وهو الأمر الذي يؤكد أن جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock