ضرورة تنمية التفكير النقدي بالمنظومة التربوية …

عبد اللطيف شعباني
يعتبر التفكير النقدي في البيداغوجيات الحديثة بالمنظومة التربوية ببلادنا ، و في عالم التكنولوجيا الرقمية، والسرعة الهائلة في تناقل المعلومات والأخبار، والانفتاح الكبير بين الدول والثقافات والأشخاص – ضرورة كبرى لمواكبة العصر، إذ أنَّ تقنية الحفظ الببغائي لم تعد تجدِ نفعا ، في عالمٍ عِمادهُ الإبداع والربط بين المعلومات والاستنتاج.
لا يمكن إنكار تأثير الغرب في البرامج التعليمية ببلادنا ، حيث تُؤخَذ الكثير من الكتب والأفكار والمعلومات والمصادر منهم، وهذا أمرٌ يُغنِينا في الكثير من الأحيان، لكنَّه سيفٌ ذو حدَّين، إذ يتوجَّب علينا أن نمتلك عقليةً نقديةً ، بحيث نعرف المعلومات التي تفيدنا بالضبط، والمعلومات التي تضرنا، بحيث لا نفقد هويتنا.
كما سيحرِّرالتفكير النقدي من قناعات المتلقين المغلوطة، فعندما نبحث في قناعةٍ مثل: “المال أصل الشر“، ونبدأ بتحليلها وربطها مع حقائق وتجارب؛ فمن الممكن أن نصل إلى قناعةٍ مُغايرةٍ وأكثر إيجابيةً مثل: “المال وسيلةٌ للوصول إلى السعادة”، وستصبح سلوكاتنا مبنيةً على القناعة الجديدة.
وسيزداد احترام المجتمع لأمانة الكلمة ، من خلال انتشار ثقافة النقد البنَّاء، وسيبذُل كلُّ عالمٍ وكلُّ مثقفٍ كلَّ جهده، من أجل تقديم محتوىً علميٍّ مُدعَّمٍ بالمصادر والأبحاث والبراهين.
ولذلك تحثّ مختلف المرجعيات التربوية والبيداغوجية بالمؤسسات التعليمية ، رغم بعض الاختلافات القائمة فيما بينها، على ضرورة الارتقاء بالروح النقدية البنّاءة لدى المتعلمين والمتعلمات، في أفق تمكينهم من بناء شخصياتهم، وجعلهم أقدر على مساءلة المعارف والمعلومات. والأهم من ذلك اتخاذ مواقف واعية إزاء الوقائع والأحداث والآراء التي تعترضهم في الحياة. لكن هذا الأفق ليس يسير التحقق، ويحتاج، مستقبلًا، إلى رفع العديد من الإحراجات داخل الوسط المدرسي عمومًا، وعلى مستوى المواد المقررة بصفة خاصة، ومنها مادة الفلسفة؛ نظرًا إلى طبيعتها والرهانات المتصلة بها التي تتجلى، أساسًا، في تدعيم النشاط الذاتي للمتعلّم ، وحفزه على ممارسة حرية التأمل والتساؤل النقدي، إن هو أحسن التعامل مع لحظاتها وسيروراتها المتفاعلة والمتداخلة.
وهكذا إذن تبنى حضارات الأمم على الأفكار، فالعقول هي خزَّان الأفكار، وإذا كانت الخزَّانات صَدئةً، فستُولِّد مجتمعاً مُتخلِّفاً؛ وإن كانت قويَّةً، فستُولِّد مُجتمعاً مُتقدِّماً. وتعتبرالمؤسسة التعليمية الحاضنة لتأسيس هذا النمط من التفكير الإبداعي لدى المتعلمات والمتعلمين.



