أخبارمجتمع

إنزگان و أيت عميرة حين يصبح الصمت جـ ـريمة

مكتب أكادير / هشام الزيات

 

في زوايا هذا الوطن الممتد، هناك أماكن لا تذكر إلا حين تشتد الأزمات، ولا يلتفت إليها إلا عندما تصرخ جدرانها صمتا، إنزكان وآيت عميرة ليستا مجرد نقطتين على خريطة المغرب، بل هما مرآة لواقع يؤلم الضمير، ويفضح عجز السياسات، وتقصير الإعلام، وغياب العدالة الإجتماعية .

 

في هذه المناطق، لا يخرج الناس إلى الشارع طمعا في فوضى، بل طلبا لأبسط مقومات الحياة، وهيا ماء نظيف، وصرف صحي، وكرامة تصان، ومع ذلك، حين ترتفع أصواتهم، يكون الرد عنيفا عصي بدل الإجابات، وتكميم للأفواه بدل الحوار، كم هو مؤلم أن يطالب المواطن بحق الحياة، ويعاقب كأنه اقترف جريمة!

 

كيف يمكن لدولة تفاخر بمشاريعها الضخمة أن تتغافل عن سكان لا يجدون ماء يروون به عطشهم، في الوقت الذي تغسل فيه حدائق الفيلات بأطنان من المياه؟ أليس في ذلك قسوة، واختلال عميق في ترتيب الأولويات؟

و موعد صلاة الفجر بمدينة أيت عميرة ومدينة إنزكان ليس لصلاة الجماعة، بل لانطلاق “رحلة الشقاء”، نساء، وشيوخ، ومراهقون يصعدون “البيكوبات” في جنح الظلام، لا يعلمون هل سيعودون أحياء أم لا، الأسبوع الماضي، انقلبت إحدى هذه العربات ومات من مات، وأصيب من كتب له النجاة، أما في رمضان الماضي، فقد لفظت خمس نساء أنفاسهن الأخيرة تحت لهيب الشمس، وهن صائمات، يعملن في الحقول التي لا تعرف الرحمة… بينما كانت نشرات الأخبار تغني لنجاحات الفلاحة الوطنية .

 

ورغم كل ذلك، لا يزال هناك من يسأل: “علاش دارو هكاك؟” لأنهم وبكل بساطة لم يعودوا يملكون شيئا ليخسروه، خرجوا في الشهر الماضي للمطالبة برفع أجورهم الهزيلة إلى 100 درهم فقط في اليوم، فجاء الرد عنيفا: قمع للاحتجاج، واستبدال للعمال المحليين بمهاجرين أفارقة من جنوب الصحراء لا صوت لهم ولا ظهر يحميهم، هل هكذا في وطن يقال إنه يتقدم، يعامل العامل كما لو كان عبدا بلا حقوق .

 

“المخزن”، هذا الاسم الذي صار مرادفا للسلطة في وجدان المهمشين، لا يظهر إلا حين تتعقد الأوضاع، لكن حضوره لا يداوي الجراح، بل يفرض الصمت عليها، في آيت عميرة، لا يصل صوت الدولة إلا عبر الهراوات، ولا يسمع صوت الناس إلا حين يكسر شيء مثل شجرة أو باب، أو صمت، الجيل الجديد هناك لم يعد يؤمن بالكلام، قيل إن بعضهم “قلع شجرة من جذورها” في لحظة غضب، لكن هل نلومهم؟ أم نلوم من اقتلع جذور الأمل من قلوبهم؟

أي حياة ترجى لمن يعيش بين الحلم والخوف؟

أي استقرار ينتظر من فئة فقدت الإيمان بالوطن؟

 

هؤلاء الشباب ليسوا مجرمين، ولا فوضويين، إنهم شباب يبحثون عن وطن يعترف بإنسانيتهم، وعن غد لا يسرق منهم أبسط حقوقهم، هم أناس تعبوا من الوعود، من التهميش، ومن الانتظار العقيم، لقد تأخر السمع كثيرا، وتضاعف الألم أكثر، وإن كان من جريمة ترتكب اليوم، فهي الصمت… صمت الحكومة، وصمتنا الشعب، فليدرك من يهمه الأمر أن الصمت لم يعد حلا في هذه اللحظات المشحونة… بل أصبح الخطر الأكبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock