أخبارمقالات واراء

معركة دستورية حاسمة: أحزاب المعارضة تُشعل فتيل الطعن في قانون الصحافة أمام المحكمة العليا

هند جوهري

 

أعلنت أحزاب المعارضة في مجلس النواب المغربي، بمن فيها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية، الحركة الشعبية، حزب العدالة والتنمية، والاستقلال، عن انطلاقها الفعلي في المسطرة القانونية لإحالة مشروع قانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى المحكمة الدستورية، بعد أن ضمنت النصاب الدستوري اللازم من خلال توقيع خمسة نواب على الأقل على طلب الإحالة.

و يأتي هذا الإجراء كرد فعل مباشر على مصادقة مجلس المستشارين على المشروع في 24 ديسمبر 2025، رغم مقاطعة جماعية من قبل المعارضة ورفضها لما اعتبرته “انتهاكات دستورية صارخة” في المضمون والمسطرة التشريعية، مما أثار موجة من الإحتجاجات النقابية والمهنية التي حذرت من تهديد استقلالية الصحافة وتنظيمها الذاتي.
هذا وقد نشأ المشروع في سياق إصلاحي أوسع أطلقته الحكومة برئاسة عزيز أخنوش، حيث تم تبنيُه رسميًا في 3 يوليوز 2025 كمشروع قانون حكومي يهدف إلى “إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة” ليصبح هيئة أكثر فعالية تتوافق مع الدستور 2011، خاصة فصوله المتعلقة بحرية التعبير والصحافة كما في الفصل 25 الذي ينص على أن “حرية الفكر والتعبير تضمن، ويجوز ممارسة الصحافة والإعلام بحرية وفق القوانين التنظيمية الخاصة بها”، حيث أُحيل المشروع فورًا إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) في 16 يوليوز 2025 لاستصدار رأي إستشاري، حيث أصدر الCESE تقريرًا يدعم المشروع مع توصيات بتعزيز الإستقلالية المالية والمهنية، لكنه شدد على ضرورة إشراك المهنيين بشكل أوسع لتجنب أي شبهة سياسية، وهو ما تجاهلته الحكومة جزئيًا في النسخة النهائية، وصل المشروع إلى مجلس النواب في سبتمبر 2025، حيث خضع لنقاشات حادة إمتدت لأسابيع، قدمت خلالها المعارضة 63 تعديلاً مقترحًا يركز على تعزيز التمثيل المهني النقابي وحذف مواد تمنح السلطة التنفيذية نفوذًا في تعيين الأعضاء، إلا أن الأغلبية الحكومية (الوطنيون الديمقراطيون، الإيستقالاليون، والتجمع الوطني للأحرار) رفضتها بالكامل، مما دفع المعارضة إلى الإنسحاب الجماعي من الجلسات النهائية في ديسمبر.

حيث أن الجدل حول المشروع لم يقتصر على المسطرة، بل امتد إلى مضمونه الجوهري، إذ ينص على تغييرات جذرية مثل إعادة هيكلة المجلس ليضم 18 عضوًا (9 يُنتخبون من نقابات الصحافة و9 يُعينون من قبل السلطات والهيئات العامة)، مع توسيع اختصاصاته ليشمل مراقبة الإمتثال الأخلاقي والمهني، وهو ما اعتبرته المعارضة والنقابات انتهاكًا لمبدأ التنظيم الذاتي المنصوص عليه في الفصل 164 من الدستور الذي يلزم بـ”تنظيم الصحافة ذاتيًا وفق ميثاق شرف مهني”، كما انتقد حزب الحركة الشعبية مواد المشروع التي تسمح بتمويل حكومي جزئي للمجلس، معتبرا إياها “بابًا خلفيًا للتسييس”، مستشهدا بتجارب دول أخرى حيث أدى تدخل الدولة إلى قمع حرية الصحافة، ودعت إلى إحالة فورية للمحكمة للتحقق من مدى انسجامها مع الفصل 10 الدستوري الذي يضمن “حرية الصحافة والإعلام دون ما يمس ذلك بمصالح الديار الوطنية”.

حزب التقدم والاشتراكية أضاف حجة دستورية أخرى بأن المشروع يخالف الفصل 132 الذي يتطلب نقاشًا شاملاً واستشارات واسعة قبل المصادقة، مشيرًا إلى أن الإنسحاب الجماعي أثار “شبهة عدم شرعية في الجلسة”، وهو ما يستوجب تدقيقًا قضائيًا.

ويعتمد الإجراء القانوني للإحالة على أساس متين من النصوص الدستورية والقانونية، حيث ينص الفصل 132 من الدستور صراحةً على أنه “يجوز لثلث الأعضاء من أحد المجلسين أو لرئيس البرلمان أو لرئيس الحكومة أو للمجلس الدستوري قبل تطبيق القانون التنظيمي، أن يطلبوا إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية للبت في دستوريته”، وفي حالة مجلس النواب فإن النصاب الأدنى هو خمسة أعضاء فقط للطعن قبل النشر الرسمي في الجريدة الرسمية، كما تحدد ذلك المادة 347 من نظامه الداخلي، هذا الإجراء مدعوم أيضًا بالقانون التنظيمي رقم 11-20 المتعلق بالمحكمة الدستورية (الفصل 158) الذي يلزمها بالبت في الطعون خلال شهر واحد، مع إيقاف تنفيذ القانون المطعون فيه مؤقتًا، مما يعطي المعارضة فرصة لإثبات “الإختلالات الجوهرية” مثل مخالفة مبدأ الإستقلالية في الفصل 25 والتنظيم الذاتي في الفصل 164.

النقابات الصحفية، مثل الإتحاد الوطني للصحافة المغربية، عززت هذه الحجج ببيان مشترك يصف المشروع بـ”التراجع عن مكاسب الربيع العربي”، مستندة إلى تقارير دولية مثل مؤشر حرية الصحافة لمراسلون بلا حدود الذي يحذر من أي تدخل حكومي.

يُعد هذا الطعن خطوة جريئة في تاريخ البرلمان المغربي، حيث سبق أن ألغت المحكمة الدستورية قوانين مشابهة لمخالفتها لمبادئ الدستور، كما في قرارها رقم 1950 بشأن قوانين تنظيمية أخرى، مما يعزز فرص نجاح الطعن إذا ثبتت الإنتهاكات، ويفتح الباب لجدل وطني أوسع حول توازن السلطات وحماية حرية الصحافة في ظل الإصلاحات الحكومية الجارية.

و اليوم، مع تاريخ 5 يناير 2026، ينتظر الرأي العام رد المحكمة الدستورية الذي قد يعيد رسم ملامح منظومة الإعلام المغربي……فهل سيتم ذلك فعلا ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock