مجتمعمقالات واراء

زلزال إداري؟ أم زئير في الخفاء؟ حول الشطط والإعفاءات في الإدارة المغربية

هند جوهري 

 

تنتشر في الأوساط الإدارية وفي فضاء التواصل الاجتماعي إشارات متكرّرة إلى «زلزال إعفاءات» ربما مرتقب في صفوف المسؤولين، تُربط بتقارير تفتيش رسمية كشفت عن اختلالات جسيمة في تدبير المرافق العمومية، وسلوكيات شطط تمثل مخالفة واضحة لمبدأ «الإدارة في خدمة المواطن».

لكن الواقع، حتى الآن، لا يُظهر أي بيان رسمي يعلن عن حركة إعفاءات واسعة في كل القطاعات، بل يُظلّل هذه المعطيات سياق من التسريبات وشائعات داخلية، تُستخدم في كثير من الأحيان لرفع سقف التوقّعات أو الضغط على المسؤولين.

 

فكلمة «زلزال» صارت تقنية إعلامية متكرّرة لوصف أي تغيّر مفاجئ في مناصب المسؤولين، خاصة في قطاعات حساسة مثل التعليم أو الدرك الملكي.

ففي السنوات الأخيرة، شهدت قطاعات عدة، حركات تنقيلات وإعفاءات محدودة لمسؤولين تربويين او تعديلات هيكلية في قيادات الدرك الملكي.

إلا أن هذه القرارات ظلّت في إطار إدارة داخلية، وليست معلنة كـ«زلزال إداري» على مستوى الدولة.

 

الشطط في استعمال السلطة: حدوده الواقعية

في الفكر القانوني الإداري، حيث يُعرَّف الشطط في استعمال السلطة بأنه تجاوز المسؤول للمجال المخوّل له قانوناً، سواء بالإفراط أو بالإهمال، بما يضرّ بمصالح المرتفقين أو المكلّفين.

وتشمل مظاهره في الواقع:

*الإساءة في معاملة المرتفقين، أو إحراجهم أمامهم.

*استخدام النفوذ لتحقيق مصالح شخصية أو عرقلة حقوق الغير.

*التأخير المقصود في معالجة الملفات، أو إفراغ المسطرة الإدارية من محتواها.

هذه الأنماط تُسجَّل في تقارير تفتيش وتحقيقات داخلية، لكنها لا تترجم دائماً في قرارات إعفاء علنية، بل تُدار في كثير من الأحيان ضمن مسارات داخلية يفضّل فيها التصحيح على العقاب الجماعي.

 

منذ التأكيد المستمر على مبدأ «الإدارة في خدمة المواطن»، تكررت وعود تبسيط المساطر، ورفع مستوى الجودة، وتعزيز الشفافية، لكن الواقع يروي قصة أخرى عبر شكاوى متكررة:

بيروقراطية مفرطة، وتأخير مقصود في معالجة الملفات.

استخدام المحسوبية والزبونية كأدوات توظيف أو ترقية.

تغطية على التجاوزات بأطروحات «الاستقرار» و«التجربة».

هذه الفجوة تُضعف ثقة المواطن في الإدارة، وتجعله يشكّ في أن كل خطاب عن «الزلزال الإداري» هو مجرد تجسيد إعلامي لمبادرات تغيير محدودة لا تلامس جذور الخلل.

ما الذي يربط الشطط بالإعفاءات في الواقع؟

في النظام القانوني والإداري، لا يُربط الشطط تلقائياً بإقالة جماعية، بل تُفضَّل:

التحقيق الداخلي.

التأديب أو التحفيز.

إعادة التوزيع أو الترقية على مستوى المناصب.

وتُرفع إلى العلن قرارات الإعفاءات في حالات محدودة، غالباً ما تُستغل لتسويق صورة الحزم أو الإصلاح، أكثر مما تُستخدم كأداة رقابة مستمرة.

نتيجة لذلك، يبقى كثير من الشطط داخل الإدارة «مُداراً في الخفاء»، بينما تُعلَن حالات قليلة لاستهلاك سياسي أو إعلامي، ما يُغذي شعوراً بأن المساءلة جزئية وغير منتظمة.

 

الواقع المطلوب اليوم ليس «زلزال إعفاءات» يحتاج إلى تبرير دائم، بل بناء آلية رقابة مستمرة وشفافة، تتمكّن من:

تعزيز استقلالية التفتيش والرقابة.

تسجيل إحصائي واضح لعدد الإعفاءات، وأسبابها، وعلاقتها بالشطط أو سوء التدبير.

تمكين المواطنين من مسارات شكوى فعّالة تُحوّل الشكوى الفردية إلى محرّك حقيقي للإصلاح.

وإذا كان «الزلزال» مطلوباً، فليكن زلزال آلية رقابة، لا زلزال إعفاءات يُثير في البداية، ثم يُهمَل في المتابعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock