مجتمع

موت تحت بساطير القيد.. عندما تُنتهك كرامة “عبد الرحيم فقير” في بلاد الغربة

هند جوهري 

 

في مشهدٍ تدمع له مآقي الإنسانية وتنفطر منه القلوب، التهم صمت الموت صرخات المهاجر المغربي “عبد الرحيم فقير” (43 عاماً)، الذي قضى نحبه بطريقة وحشية هزت الضمير العالمي تحت أجسادٍ تثبته قسراً إلى الأرض، في لحظة انكسارٍ مرعبة وثقتها الكاميرات وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ويستغيث بكلمات خنقها الوجع والرعب: “النجدة.. يكفي!”.

هذه الفاجعة التي وقعت بعد خمسة وثلاثين عاماً عاشها الفقيد تحت سماء إيطاليا، تحولت اليوم إلى قضية رأي عام ملتهبة، تضع السلطات الإيطالية والدبلوماسية المغربية معاً على محك الكرامة والعدالة، وسط موجة غضب وحرقة عارمة لا يمكن لأي كلام أن يطفئها.

 

 

إن هذه النهاية المأساوية لرجل كان يمر بعارض صحي أو نفسي تُثير تساؤلات حارقة وصادمة حول كيفية تحول الأجهزة الأمنية، التي يُفترض بها حماية الأرواح، إلى مقصلة تُجهز على الإنسان في لحظات ضعفه وعجزه.

لم يكن تعامل الأمن الإيطالي مع عبد الرحيم مجرد إجراء احترازي، بل كان دهساً مفرطاً وقسوة مجردة من أي حس إنساني، حيث أُجيبت استغاثته بالحديد والقيد القاتل بدلاً من الرعاية والاحتواء.

إن هذا البطش السافر بنصف جسد أعزل لا يمكن تصنيفه إلا كشرعنة علنية للعنف واستخفاف صريح بأرواح المهاجرين الذين تبتلع الغربة أحلامهم.

 

أمام هذا الجرم المشهود، تصبح السلطات الإيطالية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية وتاريخية لا تقبل المماطلة أو التسويف؛ فأي محاولة لطمس معالم هذه الجريمة أو التستر خلف مبررات أمنية واهية ستكون وصمة عار لن يمحوها الزمن.

 

إن تحقيقاً شفافاً وعدالة ناجزة تحاسب المتورطين دون محاباة هي المطلب الأساسي الذي لا بديل عنه، وفي المقابل، تجد الدولة المغربية نفسها اليوم مطالبة بتحرك حازم يجسد سيادتها وكرامتها، وضغط سياسي وقانوني يثبت لكل مغادري الوطن أن خلفهم دولة تغضب لكرامتهم، وتحمي أرواحهم كأمانة غالية في بلاد الاغتراب.

 

لن تهدأ روح عبد الرحيم، ولن تجف دموع عائلته المكلومة التي ينفطر قلبها عزاء ورجاء، ما لم تُرَدَّ المظالم إلى أصحابها ويُحاسَب القتلة. إن هذه المعركة ليست مجرد قضية فردية، بل هي معركة مفصلية من أجل كرامة الإنسان ودفاع مستميت عن حق كل مهاجر في الحياة والأمان، وزجر حاسم بوجه كل شطط أمني يرى في المستضعفين أهدافاً مباحة للبطش والعدوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock