
مكتب اسفي؛ فؤاد الياجيزي
لم تعد مسألة تشكيل الحكومة المرتقبة مجرّد عملية حساب مقاعد وتوزيع حقائب، بل صارت اختبارًا حقيقيًا لنضج المشهد الحزبي، وقدرة الفاعلين على قراءة اللحظة التاريخية. فبينما حسم حزب الأصالة والمعاصرة توجهه نحو أغلبيةٍ لا تعتمد على التّجمع الوطني للأحرار، اِختار حزب العدالة والتنمية واليسار الموحد التّموقِع في المعارضةفي مشهد يعيد ترتيب التحالفات، ويضع الجميع أمام استحقاق الحكم أو الرّقابة بوضوح.
ومعلوم للمتتبعين أن حزب الأصالة والمعاصرة يختار أغلبيته بلا حزب التجمع الوطني للأحراربعد تصدره نتائج الانتخابات التشريعية،إذ سارعت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسّقة الوطنية للبام ورئيسة الحكومة المكلَّفة، إلى طمأنة الرأي العام بأن الحزب لا يرسم «خطوطًا حمراء» في التحالفات، لكن المعطيات الميدانية تشير إلى توجه عملي للاستغناء عن التجمع الوطني للأحرار في الأغلبية الحكومية.
هذا التوجه ليس اعتباطيًا؛ فهو يهدف إلى ضمان «هامش أمان» برلماني يسمح للبام بقيادة الأغلبية دون” ابتزاز داخلي” ، مع فتح الباب أمام حلفاء جدد كحزب الاستقلال والحركة الشعبية لتشكيل كتلة تصويتية أوسع وأكثر استقرارًا.
على الأرض، بدأت تداعيات هذا الخيار تظهر،فقد قررت أمانة البام الإقليمية باشتوكة آيت باها إنهاء التحالف والتنسيق مع الأحرار في الجماعات الترابية بالإقليم، في إشارة واضحة إلى أن القطيعة ليست فقط على المستوى الوطني بل تمتد إلى الممارسة المحلية.
هذا في وقت حسمت العدالة والتنمية واليسار التخندق في المعارضة كخيار استراتيجي حيث حسم حزب العدالة والتنمية موقفه عبر مجلسه الوطني بالإجماع، معلناً رفض المشاركة في الحكومة والإصطفاف في المعارضة، وهو قرار برّره الأمين العام عبد الإله بنكيران باختلاف المرجعيات والتوجهات مع البام.
كما أعلن تحالف اليسار، الذي يضم اليسار الموحد ضمن مكوناته، تموقعه في المعارضة ورفض الإلتحاق بالأغلبية المرتقبة؛ في قرار يعكس رغبةً في الحفاظ على الهوية البرامجية وتجنّب الإندماج في نموذج تدبيري سبق وانتقده الحزبان، هذا الخيار يمنح المعارضة صوتًا قويًا في البرلمان، ويرفع سقف النّقاش حول ملفّات القدرة الشرائية والحكامة والشفافية، لكنه يضع الحزبين أيضًا أمام امتحان تقديم بديل واضح ومقنع للرأي العام.ليبقى حزب التجمع الوطني
للأحرار بين ضغوط المشاركة ورفض البام، فداخل التجمع الوطني للأحرار، تُرافِع قياداتٌ بارزة كراشيد الطالبي العلمي ومحمد أوجار ومصطفى بايتاس؛ لصالح المشاركة في حكومة المنصوري، لكن الحزب أحال القرار النهائي إلى هيئاته المختصة.
في الوقت ذاته يروج عن تسريبات تتحذث عن إجماع داخل مكتب البام السياسي على رفض التحالف مع الأحرار ضمن الأغلبية، ما يضع التجمع أمام مفترق طرق: المشاركة كطرف ثانوي قد يحدّ من تأثيره، أو البقاء خارج الحكومة؛ مع الحفاظ على هامش حركة أكبر.
وعليه فآفاق الحكومة المرتقبة تشي أن
المسار الأرجح هو تشكيل أغلبية متعددة المكونات تقودها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، تعتمد على حزب الاستقلال والحركة الشعبية وأحزاب أخرى، مع محاولة بناء «هامش أمان» برلماني يُقلّل الإعتماد على كتلة واحدة.وإذا استقرت الأغلبية بدون الأحرار، فقد ينتقل التجمع إلى موقع وسطي بين الأغلبية والمعارضة، أو يشارك لاحقًا في دعم تشريعي دون حقائب، حسب تطوّر المفاوضات وتوازنات ما بعد تشكيل الحكومة.
وعلى مستوى السياسات، يُتوقع أن تُركِّز الحكومة على برنامج اجتماعي-اقتصادي يحاول استعادة الثقة، مع ضغط معارضة قوية من العدالة والتنمية واليسار على ملفات القدرة الشرائية والحكامة والشفافية.
وختامًا، فقد يكون البام قد حسم في الأحرار، ورفض حزب العدالة والتنمية واليسار الموحد للإنضمام ،وهذا ليس مجرد إعادة توزيع للكراسي، بل رسالة واضحة بأن المرحلة الجديدة تتطلب تحالفات مبنية على التوافق البرامجي وليس فقط الحسابات العددية.
فالأغلبية المرتقبة ستُحكم بمقياس القدرة على تقديم نتائج ملموسة للمواطنين والمعارضة ستُقيّم بمقياس قدرتها على الرقابة الفعّالة وطرح البدائل. وفي الحالتين، فإن الرّابح الحقيقي يجب أن يكون المواطن المغربي الذي ينتظر من الجميع تجاوز التجاذبات إلى العمل الجاد.



