قراءة استراتيجية / تقرير غوتيريش والصحراء المغربية: بين مرجعية القرار 2797 ومحاولات «تسييس» المعايير الدولية
قراءة نقدية في ثلاث إشكالات جوهرية وردت في تقرير الأمين العام، وتأثيرها على مسار التسوية الأممية تحت السيادة المغربية

إعداد؛ فؤاد الياجيزي
منذ اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة سياسية وقانونية جديدة، جعلت من المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المرجعية الوحيدة والأساسية لأي حل نهائي. غير أن التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الصادر في فاتح أكتوبر 2026 تحت الرمز S/2026/781، ورغم احترامه الظاهري لهذه المرجعية، فتح باب نقاش عقائدي تتخلّله مقاربة دبلوماسية متحيّزة، تستدعي وقفة نقدية عند ثلاث نقاط محورية.
أولًا: فخ «المعايير الدولية الرفيعة» وإعادة إنتاج سيادة مشروطة
أولى الإشكالات التي يثيرها التقرير تتعلق باقتراح المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان دي ميستورا، اعتماد صياغة «الحكم الذاتي وفق معايير دولية رفيعة». هذه الصياغة، وإن بدت تقنية، فإنها تستحضر مفهوم «السيادة المكتسبة»، الذي جُرّب سابقًا في سياق كوسوفو ضد صربيا، حيث استُخدمت «المعايير» كأداة لتعليق السيادة رهن تحقيق شروط سياسية وأمنية محددة.
غير أن هذا القياس مغالط من جذوره، فالملف المغربي للصحراء لا يُقارَن لا بحالة كوسوفو ولا بالنموذج الكردي، لسببين جوهريين:
أولًا: لأن المبادرة المغربية للحكم الذاتي، منذ تقديمها سنة 2007، صُمّمت بعناية لتكون متوافقة مع أعلى المعايير الدولية، وفي انسجام تام مع الخصوصية الدستورية والقانونية المغربية.
ثانيًا: لأن القرار 2797 نفسه، وكذا الضمانات الدستورية المغربية المُدرَجة في المبادرة، يُشكّلان معًا درعًا قانونيًا يقي من أي انحراف انفصالي محتمل أثناء تطبيق خطة الحكم الذاتي.
ومن ثم، فإن الدعوة إلى «قياس معيارية» الحكم الذاتي وفق «معايير رفيعة» قابلة للتصديق من طرف «مجلس انتقالي» تعادل في جوهرها الطعن في السيادة المغربية أو تعليقها خلال الفترة الانتقالية، وهو ما يتناقض تناقضًا صارخًا مع المبدأ الثابت الذي لا يقبل الجدل والقاضي بالسيادة الدائمة على الصحراء.
ثانيًا: المرحلة الانتقالية ومجلس الإشراف: بين الضرورة التقنية والانزلاق السياسي
النقطة الثانية التي يثيرها التقرير تتعلق باقتراح إنشاء «مجلس انتقالي» يتولى الإشراف والتنفيذ والمراقبة خلال المرحلة الانتقالية، بما في ذلك «مفاوضات ترتيبات التسوية». ورغم أن هذا الاقتراح قد يبدو تقنيًا، فإن خصوم الحكم الذاتي المغربي لن يترددوا في استغلاله لإحياء خطابهم الانفصالي، على غرار ما شهدته تجربة كتالونيا في إسبانيا، حيث استُخدمت «المراحل الانتقالية» كأداة لتمديد المأزق وخلق وقائع جديدة على الأرض.
والحقيقة أن كل مراقب جاد للمسألة الوطنية يدرك أن السيادة المغربية وجميع اختصاصاتها السيادية يجب أن تظل مضمونة بشكل كامل طوال الفترة الانتقالية، سواء تعلق الأمر بتنفيذ خطة الحكم الذاتي، أو تأطير العمليات الانتقالية، أو مفاوضات ترتيبات التسوية. فالمرحلة الانتقالية، بحكم تعريفها، هي مرحلة تنفيذية وليست تفاوضية حول السيادة، ويجب أن تؤدي حتمًا إلى حكم ذاتي للصحراء تحت السيادة الكاملة للمملكة المغربية، دون أي مساس بالاختصاصات السيادية للدولة في الدفاع والأمن والسياسة الخارجية والهوية الوطنية.
ثالثًا: «تشاور السكان» بين تقرير المصير الداخلي وإعادة إحياء الاستفتاء
أما النقطة الثالثة، والأكثر حساسية، فتتمثل في إشارة التقرير، ليس دون غموض، إلى آلية «تشاور السكان» كتعبير عن حق تقرير المصير. ورغم أن هذا المفهوم قد يبدو بريئًا، فإنه يحمل في طياته خطر إعادة إحياء خيار الاستفتاء، الذي تم تجاوزه قانونيًا وسياسيًا منذ اعتماد القرار 2797، الذي جعل من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد والواقعي.
والصواب، من منظور القانون الدولي ومنطق التسوية السياسية، هو أن آلية التشاور يجب أن تُدرَج في إطار تقرير المصير الداخلي، أي ضمن المسار الديمقراطي والدستوري المغربي، وليس كآلية موازية أو بديلة عن السيادة الوطنية. كما أن إعادة تشكيل بعثة المينورسو لتتلاءم مع مرحلة الحكم الذاتي، يُعد شرطًا مسبقًا لأي خطوة تسوية، ويجب أن يتم في إطار واضح يحمي السيادة المغربية ويضمن عدم تحوّل البعثة إلى أداة لفرض وصاية دولية على المرحلة الانتقالية.
فنحو اتفاق إطاري يحسم الملف نهائيًا
فإن اختتام ملف الصحراء في لجنة الـ24، مقترنًا بجدول زمني محدد، يجب أن يتوّج باتفاق إطاري يضع حدًا لهذا الصراع العتيق. غير أن هذا الاتفاق لن يكون ذا مصداقية إلا إذا التزم بشكل صارم بمرجعية القرار 2797، ورفض أي محاولة لتسييس «المعايير الدولية» أو «المراحل الانتقالية» أو «آليات التشاور»، بما يمس بالسيادة المغربية الدائمة على الصحراء.
فالسيادة ليست قابلة للتفاوض، ولا للقياس، ولا للتعليق. وهي، في نهاية المطاف، الضمانة الوحيدة لاستقرار المنطقة ولتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة في أقاليم الصحراء المغربية، في إطار الوحدة الترابية الكاملة للمملكة.



