الصندوق المغربي للتقاعد.. انفتاح سوسيو-ثقافي يعزز الحكامة والمسؤولية المجتمعية
مجموعة الشراكة مع الصندوق والحكامة المجتمعية نموذجا

مكتب اسفي؛ فؤاد الياجيزي.
لم تعد الحكمة الحديثة داخل المؤسسات العمومية تُقاس فقط بمدى احترام القوانين والمساطر، أو بقدرتها على تدبير الموارد وضمان استمرارية الخدمات فحسب ، بل أصبحت تُقاس كذلك بمدى انفتاحها على محيطها الاجتماعي والثقافي، واستعدادها لبناء شراكات تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية.
ومن هذا المنظور، يبرز انفتاح الصندوق المغربي للتقاعد على محيطه السوسيو-ثقافي باعتباره خياراً مؤسساتياً يعكس وعياً متقدماً بأهمية المسؤولية المجتمعية، ويؤكد أن مؤسسة التقاعد لا تؤدي وظيفة مالية وإدارية فحسب، بل تضطلع أيضاً بدور اجتماعي وإنساني وثقافي متصل بجودة حياة المتقاعدين وذوي حقوقهم، وبخدمة الصالح العام.
فمن تدبير المعاشات إلى خدمة الإنسان فإن الصندوق المغربي للتقاعد يمثل مؤسسة محورية في منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب، بالنظر إلى ارتباط مهامه بأمن فئة واسعة من الموظفين والمتقاعدين وذوي حقوقهم. ولذلك، فإن تطوير أدائه لا يقتصر على تحديث آليات صرف المعاشات أو رقمنة الخدمات، بل يشمل أيضاً تعزيز الثقة مع المرتفقين، والإنصات إلى انتظاراتهم، وتوفير فضاءات ومبادرات تُسهم في تحسين اندماجهم الاجتماعي والثقافي.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، إذ لم يعد المتقاعد يُنظر إليه باعتباره مستفيداً من معاش فحسب، بل باعتباره فاعلاً اجتماعياً يمتلك تجربة مهنية وإنسانية وثقافية يمكن تثمينها. ومن ثم، فإن مواكبة هذه الفئة عبر مبادرات ثقافية وفنية واجتماعية ورياضية، أو من خلال دعم الشراكات ذات الصّلة، يندرج ضمن رؤية أكثر شمولاً للحماية الاجتماعية.
وحيث أن الشراكة رافعة للحكامة
فإن انفتاح الصندوق المغربي للتقاعد على شركائه في المجالات الاجتماعية والثقافية يترجم انتقال المؤسسة من منطق التدبير الداخلي إلى منطق العمل المؤسساتي المنفتح على محيطه. فالشراكة لا تعني مجرد تنظيم أنشطة ظرفية، وإنما تشكل آلية لتبادل الخبرات، وتعبئة الموارد، وتوسيع دائرة المستفيدين، وتحقيق أثر اجتماعي ملموس.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار شركاء الصندوق في مجال الحكامة والمسؤولية المجتمعية نموذجاً دالاً على قدرة المؤسسة على بناء جسور مع مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وجمعيات وهيئات ثقافية واجتماعية ومهنية.
وتمنح هذه الشراكات للحكامة بُعداً عملياً، لأنها تجعلها مرتبطة بالنتائج وبمدى انعكاس القرارات على حياة المواطنين، بدل أن تظل محصورة في الوثائق والتقارير والهياكل التنظيمية.
وتؤكد التوجهات الإستراتيجية المعلنة للصندوق، أهمية تعزيز الحكامة، وترسيخ المسؤولية المجتمعية، وتحسين جودة الخدمات، واعتماد مقاربة تتمحور حول المستفيد، إلى جانب تقوية الشراكات وتطوير الأداء المؤسساتي.
إن البعد الثقافي يشكّل أحد المداخل الأساسية لإعادة تعريف مرحلة التقاعد، فالثقافة تتيح للمتقاعد مواصلة الحضور في الحياة العامة، وتساعده على الحفاظ على توازنه النفسي والاجتماعي، كما تفتح أمامه إمكانات جديدة للتعلم والتواصل والمشاركة.
ومن هنا، فإن دعم المبادرات الثقافية والفنية لفائدة المتقاعدين يتيح التعامل معه باعتباره استثماراً في الرأسمال البشري، واعترافاً بقيمة العطاء الذي قدمته هذه الفئة طوال مسارها المهني. كما أن تنظيم لقاءات فكرية وفنية، وتشجيع الإبداع، وتثمين الذاكرة المهنية، تسهم في بناء جسور بين الأجيال ونقل الخبرات والتجارب.
ولقد أظهرت تجارب سابقة، من قبيل تنظيم أنشطة فنية بشراكة مع مؤسسات اجتماعية وتربوية، أن المجال الثقافي قادر على أن يكون فضاءً للتقارب والتواصل، وأن يضيف إلى خدمات التقاعد بعداً إنسانياً يتجاوز العلاقة الإدارية التقليدية.
وبما أن المسؤولية المجتمعية إلتزام مؤسساتي، فإنها
تُعدّاليوم عنصراً أساسياً في تقييم أداء المؤسسات العمومية، إلى جانب الحكامة والنجاعة والإستدامة. وهي تعني إلتزام المؤسسة بتأثير قراراتها وأنشطتها على المجتمع، وحرصها على تحقيق التوازن بين متطلّبات التّدبير المالي وانتظارات المرتفقين والحاجات الاجتماعية.
وبالنسبة للصندوق المغربي للتقاعد، فإن هذا الإلتزام يتجسّد في جملة من الممارسات، من بينها:
• حسن استقبال المرتفقين وتبسيط المساطر.
• توسيع الخدمات الرقمية مع مراعاة حاجات الأشخاص غير المتمرّسين بالتكنولوجيا وتكوينهم عبر جمعياتهم، ومن خلال البوابات السلسة المعتمدة لهذا الغرض.
• تعزيز التواصل المؤسساتي والشفافية.
• دعم المبادرات الإجتماعية والثقافية الموجهة إلى المتقاعدين.
• تطوير الشراكات مع الفاعلين العموميين والمدنيين.
• اعتماد مؤشرات لقياس الأثر الاجتماعي للبرامج والمبادرات.
وتنسجم هذه الأبعاد مع التوجّه العام الرّامي إلى تعزيز الحكامة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية، وتحسين تجربة المستفيد، وترسيخ ثقافة الأداء والتميز داخل المؤسسة.
وإيماناً بأثر الشراكات المستدام، وحتى تُحقّق الشّراكات السوسيو-ثقافية أهدافها، فأنها تقوم على رؤية واضحة وبرامج قابلة للتقييم، لأن نجاحها يرتبط بمدى قدرتها على الإستجابة الفعلية لانتظارات المتقاعدين، وتغطية أكبر عدد ممكن من المستفيدين، وتحقيق العدالة المجالية، خصوصاً لفائدة المتقاعدين المقيمين خارج المراكز الحضرية الكبرى.
إن توسيع دائرة الشركاء ليشمل المؤسسات الثقافية والجماعات الترابية والجامعات والجمعيات الجادة والهيئات المهنية، من شأنه أن يمنح هذه المبادرات نفساً جديداً، ويجعلها أكثر تنوعاً واستدامة. ويمكن، في هذا الإطار، تطوير برامج تتعلق بالتكوين المستمر، والصحة الوقائية، والأنشطة الثقافية، والرحلات الموضوعاتية، والرياضة، والتطوع، وتوثيق الذاكرة المهنية.
إن الرهان الأساسي لا يتمثل فقط في كثرة الشّراكات في حدّ ذاتها، بل في جودتها، ووضوح أهدافها، وشفافية تدبيرها، وقدرتها على إنتاج قيمة اجتماعية حقيقية.
إن انفتاح الصندوق المغربي للتقاعد على محيطه السوسيو-ثقافي يقدّم نموذجاً مهمّاً لمؤسسة عمومية تجعل من الحكامة ممارسة يومية، ومن المسؤولية المجتمعية إلتزاما ملموساً. فالمؤسسة التي تنفتح على محيطها وتستثمر في شراكاتها، تكون أكثر قدرة على فهم انتظارات المتقاعدين، ودوي حقوقهم بما يوامب ذلك من تحسين خدماتها، وتعزيز صورتها المواطنة المبنية على حكامك التدبير، بما يرسّخ الثقة فيها.
ولا شك أن هذا المسار الناجح يحتاج إلى مواصلة التطوير، عبر إرساء آليات منتظمة للإنصات والتقييم، وإشراك المتقاعدين في بلورة البرامج، ونشر حصيلة الشراكات ونتائجها، وربط المبادرات بمؤشرات واضحة للأثر. فالحكامة تكتمل حين يشعر المستفيد بأن صوته مسموع، وأن المؤسسة لا تكتفي بتدبير حقوقه، بل تساهم أيضاً في صون كرامته وتعزيز اندماجه في المجتمع.
وإحمالاً، فإن شركاء الصندوق المغربي للتقاعد في مجال الحكامة والمسؤولية المجتمعية يجسّدون توجّهاً يستحقّ التّثمين، لأنه يوسّع مفهوم التّقاعد من مُجرّد استحقاق مالي إلى مرحلة من مراحل الحياة يمكن أن تكون منتجة ونشيطة ومتصلة بالمجتمع، وهو خيار ينسجم مع التحوّلات التي تعرفها الإدارة العمومية، ويؤكد أن المؤسسة الناجحة هي التي تجمع بين النجاعة، والشفافية، وحسن الإنصات، والانفتاح، وخدمة الإنسان.



