من وجع النزوح إلى خدمة المرضى ( حلقة 1 )

هنادي الطاهر.. امرأة حملت تجربة الحرب من الخرطوم إلى ميادين العمل الإنساني
لم تكن هنادي الطاهر محمد علي تتوقع أن تتحول تجربة النزوح التي فرضتها الحرب على حياتها إلى نقطة انطلاق نحو مشروع إنساني يخدم المرضى والفئات الأكثر احتياجاً.
من حي الصفا بمنطقة الكلاكلة في الخرطوم، غادرت هنادي منزلها تحت وطأة الخوف والقلق، تاركة خلفها تفاصيل حياة بسيطة اعتادتها، وعملها في مركز صحي صغير، وأياماً كانت تبدو عادية قبل أن تغير الحرب كل شيء.
تقول هنادي إن لحظة مغادرة المنزل ما زالت محفورة في ذاكرتها، فهي لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت لحظة فاصلة بين حياتين؛ حياة سبقت الحرب، وأخرى بدأت مع النزوح.
كان صوت السلاح والطائرات حاضراً في المشهد، بينما كان الخوف يرافق خطواتها. لم تكن تعرف ماذا ينتظرها في الطريق، ولا أين ستنتهي بها رحلة النزوح، لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً: عليها أن تغادر بحثاً عن الأمان.
حين يصبح الطريق نفسه مصدراً للخوف
في رحلة النزوح، لم تكن المعاناة مرتبطة فقط بفقدان المنزل والاستقرار، بل امتدت إلى الطريق نفسه.
وتستعيد هنادي واحدة من أصعب اللحظات التي مرت بها، عندما كانت تسير في الشارع وشهدت ما تصفه بإهانات تعرض لها المواطنون من عناصر الدعم السريع.
تقول إن تلك اللحظات تركت أثراً عميقاً في نفسها، وجعلتها تدرك أن الحرب لا تسلب الناس منازلهم فقط، وإنما تسلبهم أيضاً الشعور بالأمان والكرامة والاستقرار.
بعد رحلة شاقة، استقر بها الحال في ولاية النيل الابيض مدينة ربك بعيداً عن منزلها، لكن الاستقرار لم يكن يعني انتهاء المعاناة.
فحتى اليوم، لا تزال هنادي تعاني من أزمة السكن، بعدما فقدت بيتها واضطرت إلى مواجهة واقع جديد فرضته الحرب.
حياة بسيطة قبل الحرب
قبل النزوح، كانت حياة هنادي، كما تصفها، بسيطة. كانت تعمل في مركز صحي صغير، وتعيش تفاصيل الحياة اليومية مثل كثير من السودانيين الذين كانت أحلامهم لا تتجاوز الحصول على حياة مستقرة وآمنة.
لكن العمل داخل المركز الصحي جعلها قريبة من معاناة المرضى، وخصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى العلاج بصورة مستمرة.
ومن بين المواقف التي ظلت عالقة في ذاكرتها، قصة امرأة مسنة كانت تعاني من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم.
كانت المرأة بحاجة إلى العلاج بصورة منتظمة، لكن قدرتها المادية لم تكن تسمح لها بشراء الأدوية كل شهر.
لم تكن تلك الحالة بالنسبة لهنادي مجرد موقف عابر داخل مركز صحي، بل كانت سؤالاً إنسانياً ظل يلاحقها: ماذا يفعل المرضى الفقراء عندما يصبح العلاج أكبر من قدرتهم على الدفع؟
مع مرور الوقت، تحولت تلك الأسئلة إلى رغبة في تقديم شيء عملي للناس.



