ملتقى بغداد العالمي للنحت … مبادرة فنّية تُعيد طرح سؤال دعم الثقافة في العراق

تقرير؛ فؤاد الياجيزي
إنطلق في بغداد ملتقى عالمي للنّحت يجمع نخبة من الفنّانين من عشرات الدول، في حدث يُعدُّ الأوّلَ من نوعه في تاريخ العراق، ويضع المدينة أمام فرصة لإستعادة حضورها الثّقافيّ والحضاري عبر الفن العمومي.
غير أن تأجيل الملتقى قبل إنطلاقه- رغم إكتمال تحضيراته وموافقاته الحكومية- أعاد طرح تساؤلات حول موقع الثقافة في أولويات الدولة.
إنه حدث فنّي بأبعاد رمزية، حيث تلتقي نخبة من كبار النحّاتين من؛ إسبانيا، البرتغال، ألمانيا، روسيا، الصين، وبولندا وجورجيا ثم بلجيكا، تايوان، بلغاريا، إيطاليا بيلاروسيا، اليابان كوسوفو، وصربيا وإيران وتركيا ورومانيا ولبنان، إلى جانب فنانين عراقيين، لتنفيذ أعمال نحتية كبيرة داخل بغداد.
ويأتي الحدث ليمنح المدينة أعمالًا فنية دائمة في فضاءاتها العامة، بدل أن يبقى أثره محصورًا في فعالية مؤقتة.
وكان الملتقى قد أُعلن عنه سابقًا ليُقام في حديقة الزوراء بين 15 كانون الثاني و12 شباط 2025، بإشراف مكتب رئيس الوزراء العراقي، وبإدارة عارف الساعدي رئيس اللجنة المشرفة، وعلي جبار مديرًا ومنسقًا فنيًا. وكان الهدف المعلن جمع نحو 20 فنانًا محترفًا لإنشاء منحوتات عمومية دائمة تُثرى الساحات والفضاءات العامة في بغداد والمحافظات العراقية.
كان الملتقى قد اكتملت تحضيراته وحصل على الموافقات الحكومية قبل أن يتأجل، في مفارقة أثارت تساؤلات حول قدرة الدولة على متابعة دعم المبادرات الثقافية الكبرى حتى مرحلة التنفيذ. ويعكس هذا التأجيل تحديًا أوسع يتعلق بتحويل الخطط الثقافية إلى مشاريع مستقرة، لا أن تبقى رهينة بتغير الأولويات أو بتوفر التمويل.
ويحمل الحدث بعدًا يتجاوز الجانب الجمالي؛ إذ يقدم بغداد نفسها للعالم من بوابة الفن والمعرفة والحوار الحضاري، في وقت تسعى المدينة إلى استعادة صورة تليق بتاريخها الحضاري، بعيدًا عن الصورة المرتبطة بالأزمات.
مبادرات أفراد تعوّض تعثرًا مؤسسيًا
يلقى المشروع الضوء على دور الفنان العراقي العالمي علي جبار، الذي يُعد من أبرز النحّاتين والرّسامين العراقيين المعاصرين، وله خبرة واسعة في إدارة وتنظيم الملتقيات الدولية للنحت، بينها ملتقيات جدة والرياض ودبي.
كما يُسجَّل للدكتور علي العكيلي، رئيس جامعة التراث، تبني المشروع وتحمّل نفقاته بعد تعثر المسار الرسمي، وهو ما أنقذ المبادرة وأعادها إلى مسار التنفيذ. لكن هذه المبادرة الفردية، وإن كانت تستحق التقدير، تبرز في الوقت نفسه سؤالًا مؤسسيًا: هل ينبغي أن تعتمد الثقافة على شجاعة الأفراد، أم أن تكون ضمن إلتزام دائم للدولة؟
لا تُقاس الدول بما تبنيه من إسمنت وحديد فقط، بل بما تنتجه من معرفة وفن وجمال، وما تتركه في الذاكرة الإنسانية والفضاء العام. ومن هذا المنطلق، يمثل الملتقى اختبارًا لقدرة بغداد على تحويل الفن من نشاط موسمي إلى سياسة ثقافية مستدامة.
وما تنفذه نخبة النحّاتين اليوم لا يقتصر على تشكيل الحجر، بل يسهم في نحت صورة جديدة لبغداد؛ صورة تُترك في شوارعها وساحاتها، وتبقى شاهدة على قدرة المدينة على استقبال العالم بلغة الجمال.
يبقى الأمل أن لا يتحول الملتقى إلى حدث عابر، بل إلى تقليد ثقافي وفني سنوي يعزز حضور بغداد على الخريطة الفنية الدولية، ويجعلها مكانًا دائمًا للقاء الفنانين من مختلف أنحاء العالم.
فربما تحتاج العراق إلى أن تترسخ قناعة مؤسسية وجماهيرية بأن الجمال ليس ترفًا، والثقافة ليست هامشًا، والفن ليس فائضًا عن حاجات الدولة، بل جزء من مشروع بناء الهوية واستعادة مكانة بغداد مدينةً للمعرفة والإبداع.



