مقالات واراءوطني

بقعة زيت في بحر من الأزمات: عندما تطالب نخب معزولة بترف الشائعات والمغاربة يغرقون في شقاء الغلاء!

 

هند جوهري

 

​أي انفصال عن الواقع هذا الذي يعيشه البعض، وأي جرأة تدفع بأقلية لا تكاد تُرى بالعين المجردة لتنصيب نفسها ناطقاً باسم مظلومية مفبركة، في وقت يصارع فيه ملايين المغاربة لقمة العيش ويلهثون خلف أبسط مقومات الحياة، بين الفينة والأخرى، تطفو على السطح فقاقيع تسعى لاقتطاع جزء من المشهد الإداري والإعلامي، فتخرج علينا مسميات براقة كـ “التنسيقية المغربية للمسيحيين” و”اتحاد المسيحيين المغاربة” بمذكرات مطلبية ملغومة توجّه لقمة الجهاز التنفيذي، وكأن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري حسمت كافة الملفات المعيشية الحارقة، وحلّت أزمات الفقر والبطالة والجفاف والغلاء المستشري، ولم يتبقَّ أمامها سوى إيجاد “حلول إدارية” لشعائر وطقوس مجموعة تعيش على هامش الوطن وهموم ناسه!

 

 

​إن هذا المسلسل المكرر الذي يُعاد تمثيله مع كل تغيير حكومي، برفع مذكرات تبحث عن شرعنة الزواج المدني، وتغيير المناهج الدراسية، وتخصيص مقابر ومساحات خاصة، ليس سوى صراخ في وادٍ مهجور ومحاولة مكشوفة لاصطناع زخم إعلامي وإثارة ضجيج بلا طحين، يدرك هؤلاء قبل غيرهم أن مطالبهم هذه لا تعدو كونها ترهات لا تعني غالبية المغاربة المسلمين في شيء، بل تمثل استخفافاً صارخاً بالأولويات اليومية الشديدة والخانقة التي تحاصر الأسرة المغربية من كل جانب، وتشتيتاً ممجوجا لجهود الدولة التي يفترض أن تتفرغ لحماية القدرة الشرائية وإصلاح مطبات التعليم والصحة، بدل الغرق في سفسطائية حقوقية معزولة لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

 

​ولا يمكن لأي متابع حصيف أن يقرأ هذا التوقيت بغير عين الريبة والتوجس، فالإصرار على نبش ملفات تمس الأحوال الشخصية والعقيدة الإسلامية للمملكة تحت غطاء “حماية الأقليات”، يتجاوز مجرد التعبير عن الرأي ليفوح برائحة أجندات وتوجيهات خارجية معلومة، تسعى لزراعة الفتنة وتفتيت الرابط الديني والمجتمعي الصلب الذي يجمع أبناء المغرب تحت مظلة إمارة المؤمنين.

 

إن إشعال معارك جانبيّة وهمية في هذه الظرفية بالذات يخدم جهات تتربص باستقرار البلاد، وتريد استبدال نقاش التنمية والعدالة الاجتماعية بسجالات عقائدية عقيمة تفكك اللحمة الوطنية.

 

​إن المؤسسة الحكومية والشارع المغربي على حد سواء أكثر وعياً من أن ينطمس إدراكهم بهذه المناورات الهامشية أو ينساقوا خلف تشويش متعمد ومكشوف، فنحن كمغاربة نعتز بهوياتنا الإسلامية وثوابثنا الوطنية الراسخة، لن نفرط في استقرارها من أجل نواتج “استيراد فكري” وأطروحات مستفزة لمشاعر الأغلبية، وعلى من يقتفون أثر هذه المذكرات الفارغة أن يستوعبوا جلياً أن الوطن ليس مسرحاً للاستعراض الحقوقي المزيف، وأن قطار التنمية الحقيقي يمر عبر محاربة الفقر والفساد والغلاء، لا عبر إرضاء نزوات فئوية ضيقة تحلم بركوب موجة التغيير السياسي لفرض أجندات لا مكان لها في وجدان الشعب المغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock