مقالات واراءوطني

من العقوبات البدينة إلى العقوبات البديلة

د. نور الدين الوكيل / رئيس قسم الشؤون القانونية للجريدة

العقوبة البديلة:
كل من صدر في حقه حكم أقل من سنتين، يمكنه شراء حريته بغرامة تتراوح ما بين 100 و2000 درهم عن كل يوم.
من_العقوبات_البدينة_الى_العقوبات_البديلة:
من التوجهات الجنائية للمشرع المغربي، إقرار ما يصطلح عليه بالعقوبات البديلة للسجن، وطالما شكل هذا التوجه مركز اهتمام المشرع الجنائي ليس المغربي فقط بل وعلى مستوى مختلف التشريعات المقارنة. والعقوبة شكلت منذ فجر التاريخ مركز اهتمام الإنسان. وباستقرائنا لموضوع العقاب على مر التاريخ نجد أنه مر بمراحل متعددة تختلف باختلاف الثقافات والإيديولوجيات والتوجهات الدينية والتراكمات التاريخية…
فقد بدأت دراسات علم العقاب نتيجة سيرورة تاريخية لموضوع الجريمة والفعل الجرمي وعلاقته بالعقاب المقرر لهذا الفعل، وهذا العقاب في مراحل تاريخية طويلة لم يتجاوز العقوبات البدنية والإكراهات السالبة للحرية “السجن، الإعدام، بتر أحد أعضاء الجسم والجلد…” لكن بعد الطفرة الحقوقية والإنسانية التي شهدها العالم ولاسيما بعد القرن السابع عشر، تم عقد القران مع مرحلة جديدة يعتبر معها موضوع العقاب علم له أصوله وقواعده بما يتماشى والتوجه الحقوقي الذي عرفته البشرية. وهنا نستحضر الدراسات العقابية الأولى ل فيليب فرانس، ومساهمات DON JEAN MABILLO
و JOHN HAWARD .
بعد هذه التوطئة المفاهيمية والتاريخية لموضوع العقاب، واسقاط الموضوع على الحالة الجنائية المغربية، فإن هذه الأخيرة بدورها تتجه نحو محاكاة الدول المتقدمة حقوقيا في موضوع العقاب، ويظهر ذلك جليا في المحاولات المتكررة والمتعاقبة للمشرع الجنائي في تكريس نماذج العقوبات البديلة للعقوبات السجنية والإكراه البدني على مستوى الترسانة القانونية الجنائية، عن طريق الانتقال التدريجي من العقوبات السالبة للحرية نحو عقوبات ذات طبيعة مالية “الغرامات”.
فإعلان وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، في معرض رده على سؤال كتابي للفريق الحركي بمجلس النواب، حول تزعم وزارته اعداد مسودة مشروع قانون خاص بالعقوبات البديلة للعقوبات السالبة للحرية مستقل عن مجموعة القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، يطرح مجموعة من الإشكالات والتساؤلات ذات بعد مجتمعي، مالي وحقوقي… فعندما نتحدث عن استبدال العقوبات السالبة للحرية بالعقوبات ذات الطابع المالي “الغرامات”، وتبرير ذلك بكون فلسفة العقاب يجب ان تنصب حول تنظيم المجتمع ومحاولة الحد من الظاهرة الإجرامية وليس الزجر في حد ذاته، لاسيما وأن الحياة اليومية في الوقت الراهن أصبحت تتسم بالتعقيد والاحتكاك البالغ بين افراد المجتمع، وهو الأمر الذي يجعل من أي فرد مهما بلغ صلاحه أن يصبح مجرم بين عشية وضحاها، والدليل في القول كون أغلب القضايا المعروضة على المحاكم يغيب عنها القصد الجنائي. هذا بالإضافة لكون هذه الفلسفة في فرض الجزاء يجب أن تنصب لمصلحة الدولة لا العكس، وبالتالي فعلى الدولة أن تنتقل من أداء مصاريف وتكاليف السجين من مأوى وإطعام…، إلى استفادتها هي الأخرى من خطأ السجين وملأ خزينة الدولة عن طريق الغرامة المؤداة وليس العكس. الى غير ذلك من المبررات التي تؤيد هذا التوجه…
ولعل هذه المبررات التي تم استعراضها هي نفسها التي قام بتقديمها وزير العدل عبد اللطيف وهبي في مناسبات إعلامية وبرلمانية.
هذا المبرر في ظاهره يبدو مقنعا، لكن بتمحيص النظر فيما قد يرتبه هذا التوجه على مستوى الواقع، فإني أرى على أن هذه الفلسفة رغم ما تعكسه من نضج على مستوى التفكير القانوني، إلا أنها تطرح سؤال وإشكال التمييز بين سجين يتوفر على قدرات وإمكانات مالية ومن دون ذلك. وبالتالي فالحرية والحق فيها كحق طبيعي قبل أن يكون حق دستوري سيتعرض للمزايدات الضيقة والتمييز والبعد عن العدالة على مستوى فرض الجزاء، وبالتالي فمنطق شراء الحرية يطرح تساؤل عميق يصعب معه إيجاد إجابات مقنعة، وبهذا ننتقل من رغبة الدولة في الحد من الظاهرة الإجرامية أو بالأحرى محاولة تقليص وقوعها، إلى دولة براغماتية، هاجسها في ملأ الخزينة يتجاوز التفكير القانوني والحقوقي.
هذا وبالإضافة إلى ذلك فإني أرى على أن توجه المشرع الجنائي نحو الانتقال المبالغ فيه نحو التخلي على العقوبات البدنية في مقابل المالية منها، سيؤدي لا محال إلى تفاقم الظاهرة الإجرامية، مادامت الحرية يمكنها أن تشترى بمبالغ محددة.
كتخريج عام، العقوبات البديلة تعكس مستوى النضج القانوني والحقوقي للدولة، لاسيما وأن مفهوم السلوك الإجرامي يختلف باختلاف السلوك نفسه ودرجة خطورته، بالإضافة للظروف المصاحبة لهاذا السلوك… لكن الانتقال من العقوبات السالبة للحرية إلى عقوبات مالية يجب ألا يكون على أساس التمييز والمحاباة وإنما هذا الانتقال يجب أن يكون بشكل متساوي وثابت، يأخذ بعين الاعتبار الفوارق الاجتماعية وتحقيق العدالة اللازمة على مستوى فرض الجزاء، لا على أساس شراء الحرية بالمال… فالحرية حق طبيعي لا يباع ولا يشترى.

د.نورالدين الوكيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock