تيميزار… حين تتحوّل الندوات الصحفية إلى استعراضات بلا صحافة

مكتب أكادير / هشام الزيات
في كل صيف، تتجه أنظار ساكنة تيزنيت وزوارها نحو مهرجان تيميزار، هذا الحدث الثقافي البارز الذي يحتفي بالفضة والصياغة التقليدية، ويحمل في مضمونه رسالة فنية وثقافية راقية، لكن خلف بريق المعروضات وسحر الأضواء، تنكشف ممارسات تسائل صدقية ما يقدم على أنه عمل صحفي، بينما لا يمت في كثير من الأحيان إلى الصحافة بصلة .
ما يسمى بـ”الندوات الصحفية” التي تنظم ضمن فقرات المهرجان، تحولت للأسف إلى عروض بروتوكولية جوفاء، تحضر فيها الكاميرات وتغيب عنها الصحافة الحقيقية، تملأ القاعات بأشخاص يحملون بطائق صحفية بدون رصيد مهني أو أخلاقي، لا يسألون، لا يناقشون، ولا يتقصون الحقائق، مجرد حضور شرفي، غايته التقاط الصور، وحجز مكان في مآدب الضيافة، قبل نشر “مواد صحفية” مجاملة، صيغت مسبقا بنبرة التبجيل والتصفيق .
إن ما يجري هو اختزال فاضح لمهنة نبيلة، يفترض فيها أن تكون عينا ناقدة ولسانا للمواطن، لا أداة ترويج وتسويق مجانية، ما نراه اليوم هو مشهد يسيء للمهنة الصحافة قبل أن يهين جمهور مهرجان تيميزار ومدينة تيزنيت، التي تعاني من إكراهات حقيقية في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، والعدالة الاجتماعية، تحتاج إلى إعلام حقيقي، لا إلى مهرجين يلبسون عباءة الصحافة .
من المفارقات المؤلمة، أن كثيرا ممن يحضرون بصفتهم “صحفيين”، يغيبون كليا حين تمس الحاجة إلى الإعلام، سواء عند تفجر قضايا الفساد، أو عند طرح ملفات التهميش وسوء التدبير، إنهم لا يظهرون إلا في الكواليس، عند سهرات الفنانين أو في زيارات رسمية يسعى خلالها مسؤول ما إلى تلميع صورته، لا أكثر .
لقد تحولت بعض المنابر الإعلامية إلى أبواق لصحافة المناسبات، تقتات على ما يقدم لها من موائد مهرجانات، وتغلق أعينها عن قضايا الناس، وما ينشر لا يخرج غالبا عن دائرة المجاملة الرخيصة للبعض المنتخبين بالمدينة، فبدل أن تمارس الصحافة وظيفتها كسلطة رابعة، باتت أداة في يد من يملك النفوذ أو المال أو القدرة على توفير بطاقة دعوة .
الخلط بين التقاط الصور وبين العمل الصحفي أصبح أحد تجليات هذا الانحدار المهني، نعم، قد يكون كل صحافي مصورا، لكن ليس كل من يحمل كاميرا أو يتقن برامج المونتاج يمكن أن يكون صحفيا، الصحافة مسؤولية، التزام، وموقف، وهي قبل كل شيء انحياز للحقيقة، لا لمائدة عشاء أو صورة مع فنان .
مدينة تيزنيت لا تحتاج إلى مزيد من المجاملات المزيفة، تحتاج إلى إعلاميين يطرحون الأسئلة الحقيقية، لا إلى من يحفظون كلمات التطبيل عن ظهر قلب، الصحافة توريد التراقب، والتحلل، وتفتح الملفات، وتسائل المسؤولين، لا مجرد ضيوف على موائد الترفيه .
تيميزار، في صيغته الحالية، ليس فقط مناسبة فنية، بل مرآة عاكسة لفشل أعمق: فشل في التسيير، فشل في التواصل، وفشل في إنتاج إعلام جاد وملتزم، إنه جرس إنذار بأن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار لمهنة الصحافة، وتحريرها من قبضة من لا علاقة لهم بها سوى بطاقة لا تعني شيئا .



