أخباردوليوطني

إسبانيا تزيل علمها الوطني من جزر مغربية محتلة بعد عقدين من فرض واقع يعاكس الجغرافيا.

هيئة التحرير

أزالت إسبانيا علمها الوطني من جزيرتين صخريتين قبالة سواحل مدينة الحسيمة شمال المغرب، وسط صمت رسمي من الطرفين ودون أي تفسير حكومي يوضح خلفيات هذه الخطوة غير المعلنة.

وتزامن هذا الإجراء مع تقارير رصدت اختفاء العلم الإسباني من صخرتي “البر” و”البحر” بعد أكثر من عشرين عاما من رفعه فوق الجزر التي تعتبرها المملكة جزءا من ترابها غير المسترجع.

وتقع الجزر المعنية على مسافة تقل عن 300 متر من الشاطئ المغربي، وتشكل إلى جانب صخرة الحسيمة ما يعرف بجزر الحسيمة، وهي بقايا استعمارية خاضعة لإسبانيا منذ نهاية القرن التاسع عشر.

وتمثل جزيرتا “البر” و”البحر” امتدادا رمزيا لحضور محدود لا يتجاوز بضع إشارات سيادية، أبرزها رفع العلم فوقهما سنة 2002 في أعقاب أزمة جزيرة “بيريخيل” المعروفة بجزيرة ليلى بعمالة المضيق الفنيدق.

ومنذ ذلك التاريخ ظلت الصخرتان موضوعا غائبا عن التداول السياسي العلني، لكنها تحتفظ بحمولتها التاريخية في الذاكرة الجغرافية للمغرب.

ولم يصدر أي تعليق من الحكومة الإسبانية ولا من وزارتي الدفاع والخارجية، كما لم تصدر الرباط أي توضيحات بشأن هذا التطور، ما أضفى بعدا رمزيا على الحدث وربطه ضمنيا بمستوى العلاقات الثنائية التي شهدت تحولا عميقا منذ مارس 2022 عقب إعلان مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء.

ويعتبر مراقبون أن إزالة العلم دون إعلان رسمي يعكس رغبة في تفادي التصعيد السياسي، كما يوحي بتحول في تمثلات إسبانيا لمفهوم السيطرة الرمزية على الجيوب الساحلية المقابلة للمغرب.

وتذهب تحليلات جيوسياسية، إلى ان هذا المستجد يشير إلى انتقال غير معلن من منطق فرض الأمر الواقع إلى منطق التخفيف الرمزي للوجود الاستعماري.

وتزامن ذلك مع صعود ملحوظ للدور الإقليمي للمغرب، خصوصا في مجالات التنسيق الأمني ومكافحة الهجرة غير النظامية والتعاون الاستخباراتي.

كما تزايدت رهانات الاتحاد الأوروبي على الرباط كفاعل مركزي في استقرار الساحل والمتوسط الغربي، وهو ما قد يفسر جزئيا هذا الانكماش التدريجي في مظاهر الهيمنة الرمزية على بعض المواقع الخاضعة للسيطرة الإسبانية.

بالمقابل، تعزز هذه الخطوة السردية المغربية القائمة على مراكمة المكاسب الهادئة دون ضجيج إعلامي أو تصعيد دبلوماسي، وهو الأسلوب ذاته الذي تبنته الرباط في تعاملها مع ملفات استعمارية سابقة مثل سيدي إفني وطرفاية.

وتستند هذه المقاربة إلى قناعة مؤسسية تعتبر أن السيادة ليست مجرد إعلان، بل عملية تراكمية قائمة على استعادة المجال تدريجيا وتفكيك مظاهر الاحتلال دون مواجهة مباشرة.

ولا تضم الجزر المعنية سكانا ولا موارد، لكن رمزيتها الجغرافية والسيادية تضعها في قلب النقاش حول مآلات الوجود الإسباني في شمال المغرب، خاصة في ظل المتغيرات التي يشهدها التوازن الإقليمي واشتداد التنافس على النفوذ في حوض المتوسط.

وبغياب أي رد فعل رسمي من مدريد، يمكن قراءة الإجراء بوصفه تراجعا تكتيكيا يراعي تطورات الشراكة مع المغرب دون المساس المباشر بوضعية الاحتلال في صخرة الحسيمة أو المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية.

وتأتي هذه التطورات بينما تواصل الرباط بناء تصور متكامل لمجالها الاستراتيجي، انطلاقا من عمقها الإفريقي مرورا بجوارها الأطلسي والمتوسطي، وصولا إلى الجيوب الخاضعة لإسبانيا.

وتعكس هذه المقاربة تراكما دبلوماسيا طويل الأمد لم تُفرغه الأزمات الظرفية من مضمونه، بل عززته التحولات الدولية والإقليمية التي منحت المغرب موقعا تفاوضيا أقوى.

ويبدو أن مدريد اختارت التقليل من الحضور الرمزي في نقاط تماس حساسة دون المساس بخطوطها الحمراء المعلنة، في ما يشبه تكيّفا صامتا مع المتغيرات دون الاعتراف الصريح بها. وبذلك، تفتح إزالة العلم بابا جديدا لنقاش السيادة، ليس من بوابة التصعيد، بل عبر تقويض تدريجي لمرجعيات الحقبة الاستعمارية على إيقاع توازنات ما بعد الحرب الباردة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock