ثقافة وفنمقالات واراء

عبيقة في الكونجي ( قصة قصيرة )

بعد خمس سنوات على كتابتها، اعيد نشر قصة ” عبيقة ” في الكونجي واحداثها واقعية رغم غرابتها بالنسبة لجيل اليوم.
قراءة ممتعة

 

كلما حل شهر غشت، أتذكر معاناة سكان مدينة مراكش مع الحرارة المفرطة ونزوحهم نحو الشواطئ القريبة.
أتذكر أيضا أن مدينة الجديدة كانت تحضى بحصة الأسد باستقبالها لغالبية المصطافين، فطقسها المعتدل وشاطئها الجميل الشاسع الموجود وسط المدينة، جعل منها قطبا سياحيا بامتياز.
ناهيك أن المراكشيين عشقوا هذه المدينة منذ أوائل الستينات وارتبطوا بأهلها أيما ارتباط.
وفي هذا الزخم من الذكريات، مرت بمخيلتي أحداث بقيت عالقة بذهني بكل تفاصيلها رغم مرور كل هذا الوقت.
في صيف سنة 1972, وأنا في بداية سن المراهقة، بدأت محاولاتي الأولى للاستقلال شيئا ما عن الأسرة أثناء الاصطياف، واستطعت أن انتزع هذا الحق، واتفقت مع أصدقاء فريق الحي لكراء منزل بالجديدة نكون فيه أكثر حرية وقريبين بعضنا البعض، خاصة وأننا خططنا لعدة لقاءات مع فرق ( من نفس مستوانا العمري ) في إطار دوري يقام كل سنة.
وصل عددنا إلى خمسة عشر لاعبا وكان لابد أن يتكلف اكبرنا سنا بإجراءات الكراء مع صاحب المحل، طبعا دون التصريح الفعلي بالعدد الكامل.

هكذا انطلقنا من مراكش على ثلاث دفعات ولمدة ثلاثة أيام لتمويه صاحب الدار ، ولحسن حظنا لم يكثرت لذلك لأنه يقطن منزلا ثانيا بعيدا عنا.
اكتمل النصاب في الثالث من غشت، وبدأنا في التخطيط وتوزيع المهام، أما المشاركات فقد حسمت بمراكش بعد أخذنا بعين الاعتبار الحالة المادية لكل واحد منا بروح اخوية وتراض لن تجد له مثيلا في وقتنا هذا. فحتى عند العوز الكلي تتكلف المجموعة بالدفع عن الشخص.

المنزل المكترى كان يضم غرفتين وفناء لاغير، اما الفراش فلا يسع أكثر من سبعة أفراد، وبحكم تجربة ممن يكبرنا سنا ، فلقد أخذوا معهم بعض الزرابي الخفيفة والاغطية لمثل هذه الطوارئ.
بعد يومين على استقرارنا،التحق بنا عضو آخر لم يكن في الحسبان، ودون سابق إنذار، إنه “عبيقة” ولد الحومة الغريب الأطوار. لكن من هو هذا الملتحق الجديد ؟
هو عبد الكريم الملقب ب “عبيقة” ، عمره وقتها لم يتجاوز 16 سنة، ترك المدرسة بعد رسوبه مرتين في الابتدائي الثاني
( القسم الثالث)، مات أبوه وتكفلت امه بإعالة أسرة من ستة أبناء أكبرهم صديقنا. وحتى لا يبقى متسكعا في الطرقات أدخلته أمه عند دراجي الحي والمتخصص في إصلاح الدراجات النارية والعادية ” سيكليس” ليتعلم الحرفة، لكن ” عبيقة” كان ثقيل الفهم وبطيء الحركة، وهذا سبب عدم استقراره عند ” معلم ” معين، الى درجة أنه في كل مرة يتدخل اب صديق له لإرجاعه إلى العمل.
وفي المرة الأخيرة، وبعد التحاقه بمعلم جديد، تزامن هذا مع حركة الاصطياف، وهو من النوع الذي لايمكن ان يتخلى عن هذا ” الحق الطبيعي ” حقه في الراحة بعد أقل من عشرين يوما في شغله الجديد.
تجرأ وطلب منحه عطلة، غضب المشغل وطرده من العمل دون تعويض، لكن عن أي تعويض يتكلم وهو لازال ” متعلم ” لم يتقن بعد حتى إصلاح ثقب العجلات المطاطية ” البياسات”، بعد إصراره ، تمكن من الحصول على 15 درهم. “عبيقة” هذا ، لا يمكنه أن يبقى دون عطلته الاعتيادية في مدينة الجديدة أو كما يرددها هو بلكنته البهجاوية مع شيء من “الحيالة”: الكونجي، خاصة وأنه يعتبر نفسه حارس مرمى الفريق رغم قصر قامته و بدانته وبطئ حركاته، ويتصور أنه لا يمكن البتة الاستغناء عن خدماته.

جمع أغراضه، ولم تكن له اغراض تذكر، إذا استثنينا فوقية و ” صندالة” وبعض الملابس الداخلية.
اتجه إلى محطة حافلات الجديدة عند مدخل ” فحل الزفريتي” وحصل على تذكرة السفر ب ” 6 دراهم” لتبقى عنده “9 دراهم” وبها دخل في نية ” الكونجي “.
هكذا هو، هي مسألة نية لاغير، ” وحاجة الله يقضيها الله”.
قبل انطلاق الحافلة لم ينس أن يأخذ بعضا من فاكهة الهندية ” كرموس النصارى” لأنها هي الوجبة الوحيدة التي تمكنه من التغلب على الجوع وعدم التفكير في الأكل في انتظار إيجاد أعضاء الفريق.
انطلقت الحافلة يسوقها ” لعسل” ، هذا الأخير كان معروفا لدى المراكشيين بحرفيته العالية وتسامحه الكبير زيادة على طبيعته المرحة في النكتة و ” التقشاب”.
توقفوا في ” سيدي اسماعيل” للاستراحة، وتمت دعوة “عبيقة” من طرف بعض الشبان لأخذ وجبة الفطور. شكرهم مرددا
( نوي الخير تلقى الخير) .

وصلت الحافلة إلى الجديدة قرابة الساعة العاشرة صباحا. توجه صاحبنا على التو إلى الشاطئ وهو نقطة لقاء كل من تاه عن معارفه، نزل الدرج وكله أمل أن يلتقي بنا ذلك الصباح لأنه كان على علم ببرمجتنا لبعض المقابلات باكرا، حينها يكون البحر متراجعا ومساحات اللعب أكثر شساعة.
لكن لسوء حظه لم نكن في الموعد، وبقي
” عبيقة ” ماشيا لأكثر من ثلاث ساعات يبحث عن من يذله عن مكاننا.
عند وصولنا إلى الشاطئ، عرفنا من بعض الناس الذين الفنا الجلوس إزاءهم اننا من المبحوثين عنهم، وأن دورية “عبيقة” لم تفتأ تطلق صفارة الإنذار. ضحكنا فيما بيننا، وبسرعة البرق وكأن البحر لفظه توا وقف أمامنا منهوك القوى، أشبعنا شتما وصراخا ونحن له صاغين، وكيف لنا أن نخاصمه وهو ” حارسنا العملاق” رغم قصر قامته
او كما يقول…..
قضينا نهارنا كما هي العادة، لكن هذه المرة بطعم آخر، فوجود ” عبيقة” خلق بهجة وسرور لذى الكل.
رجعنا بعدها إلى المنزل، وفي الطريق، عند مرورنا أمام موقف الحافلات سمعنا مساعد سائق الحافلة التي جاء فيها ” عبيقة” يصيح بصوت عالي ” بلاصة لجهنم” ويعني بها مراكش، وقتها لم يكن أحد من المصطافين يفكر للرجوع إلى المدينة الحمراء قبل 20 غشت في أقل تقدير، إلا إذا دعته الضرورة لذلك.
كان المنظر جد مضحكا وبقي عالقا في الذاكرة إلى الآن.

توالت الأيام، واندمج “عبيقة” سريعا وسط المجموعة بروح رياضية ودون أن يطالبه أحد بدفع مصاريف الاقامة. كنا نعرف بعضنا البعض جيدا، ولا نحاول اثارة أي موضوع فيه حساسية العوز وقلة الحاجة. كان بيننا ابناء عائلات معروفة وغنية، لكنهم اولاد الشعب وبعيدون كل البعد عن التباهي أو التعالي.
لكن الطامة الكبرى والتي كنا لانجد لها حلا، هي إصرار “عبيقة ” على حراسة المرمى في مقابلات مصيرية اثر مشاركتنا في دوريات بين فرق مدن مراكش/الجديدة /الدار البيضاء، ونضطر أحيانا مجاراته مع تعزيز للدفاع بعناصر طويلة القامة حتى ترد عليه الكرات العالية لأن قامته لا تسمح بذلك.
وما هو أغرب، هو صياحه المتكرر في وجه المدافعين دون وعي وبدون سبب. احيانا تنتابنا هستيرية من الضحك وسط المقابلات ونسلم أمرنا للعلي القدير .
مرت الايام بدون مشاكل تذكر ، الجو داخل المجموعة تسوده الأخوة والتآزر، نقضي يومنا بين مسؤولية البيت من طبخ وتنظيف وتسوق ، ونتوجه إلى الشاطئ نقضي فيه أكثر من ست ساعات يوميا وأحيانا تزيد عن ذلك إن كانت لنا مباريات مع فرق أخرى.

لكن حدث الهجوم على الطائرة الملكية القادمة من باريس في يوم 16 غشت، خلق نوعا من الاضطراب عند كل المصطافين، وأنهى بعضهم عطلهم وولوا راجعين إلى مراكش، رغم البلاغ الرسمي الذي أكد أن المحاولة باءت بالفشل وعلى أن الملك نجا بعون الله وحنكة قائد الطائرة.
بعد سماع الخبر أمرتني العائلة أن أجمع حقيبتي والتحق بهم استعدادا للرجوع على متن سيارة احد المعارف.
عناصر الفريق فكروا كذلك في الرجوع، إلا “عبيقة ” لم يتقبل الوضع، وتمسك بعدم مغادرة الجديدة حتى آخر الشهر وإكمال مدة عقدة الكراء.
مرة أخرى ضحكنا حتى البكاء، فهو غير مصرح به عند صاحب المحل وحل بهذه المدينة وفي جيبه اقل من 9 دراهم، لكنه “عبيقة”، ما عليك إلا أن تقبله كما هو دون محاولة فهم أي كان.
اقنعناه بعد جهد جهيد، واخدناه معنا في السيارة، ليرجع إلى مراكش قبل العشرين من غشت وهذه سابقة في تاريخه مع ” الكونجي “، وطيلة الطريق لم يفتأ يردد ” الكونجي كولهم اوجي” ، حاولت معرفة ماذا أنفق وما مصير 9 دراهم، دون جدوى.
وفي الأيام الأولى التي تلت رجوعنا إلى مراكش، بدأ مسلسل التدخلات ” والطليب والرغيب” لنجد له ” سيكليس ” آخر.

مراكش 2020/08/03
نورالدين بن شقرون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock