طب و صحةمقالات واراء

الصحة النفسية في المغرب: معاناة صامتة وضرورة عاجلة للتحرك

ابراهيم بنمني/ مكتب أكادير

بقلم: سارة بن تباع – رفيقة مساعدة في مجال الصحة النفسية والإدمان بأكادير

تظل الصحة النفسية في المغرب تحدياً كبيراً، كثيراً ما يتم تهميشه رغم أنه يمس جوهر الكرامة الإنسانية وجودة الحياة. خلف جدران مستشفياتنا النفسية، تتجلى يومياً حقائق مؤلمة: مرضى في معاناة شديدة، أسر مرهقة ومثقلة بالهموم، وأطقم طبية تعمل في ظروف صعبة تفوق طاقتهم.

بصفتي رفيقة مساعدة متعافية، رافقتُ العديد من الأشخاص الذين يعيشون مع اضطرابات نفسية، وبعد تكويني مع منظمة الصحة العالمية في مجالات التعافي، والرفقة المساعدة، وحقوق الإنسان في الصحة النفسية، أستطيع أن أشهد من الداخل على هذه الأزمة. ففي أكادير كما في مدن أخرى، تعمل المؤسسات النفسية في ظروف قاسية: بنايات متهالكة، نقص حاد في الأسرّة، غياب تجهيزات حديثة، وقلة حادة في الأطر الصحية مقارنة بحجم الطلب المتزايد.

هذه الوضعية تنعكس بشكل مباشر على حياة الآلاف:
• مرضى يُتركون أحياناً لأسابيع أو أشهر دون متابعة ملائمة، مما يزيد معاناتهم ويضعف فرص تعافيهم.
• أسر تعيش مأساة مزدوجة: ألم مشاهدة أحبائها يتألمون دون مساعدة كافية، وتحمل العبء العاطفي والمالي والاجتماعي وحدها.
• مهنيون صحيون يعملون بتفانٍ، لكنهم يواجهون ضغطاً لا يُحتمل، ما يهدد طاقتهم وقدرتهم على الاستمرار.

لا يمكن أن تختزل الصحة النفسية في الأدوية فقط، بل يجب أن تُبنى على رؤية شمولية: الوقاية، الدعم النفسي والاجتماعي، إعادة الإدماج، محاربة الوصم، وإدماج مقاربات حديثة مثل التعافي والرفقة المساعدة. هذه المفاهيم التي أثبتت فعاليتها عالمياً، تُمكّن المرضى من أن يكونوا فاعلين في مسار علاجهم لا مجرد متلقين سلبيين.

ورغم بعض المبادرات المهمة التي أطلقت تحت الرعاية السامية لصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، فإن الصحة النفسية ما تزال مهمشة. وكل يوم يمرّ دون إصلاحات جذرية هو يوم يضيع فيه أمل آلاف المغاربة، ويفرض عليهم معاناة صامتة مليئة بالعزلة والتمييز وضياع فرص العلاج.

لقد حان وقت اتخاذ خطوات شجاعة ومسؤولة:
• جعل الصحة النفسية أولوية وطنية حقيقية، بميزانيات كافية واستراتيجية واضحة ومستدامة.
• صون كرامة وحقوق الإنسان لمرتادي مستشفيات الطب النفسي، حتى يُعامل كل مريض كإنسان كامل الحقوق لا كـ”حالة”.
• دعم وتكوين المهنيين والرفقاء المساعدين، باعتبارهم ركائز أساسية لبناء منظومة إنسانية وفعّالة.
• توفير فضاءات لإعادة التأهيل والإدماج، لأن التعافي لا يقتصر على الخروج من المستشفى، بل يعني استعادة مكانة كريمة في المجتمع.

إن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل حق أساسي. وهي مسؤولية جماعية. والعمل العاجل اليوم لا يخفف فقط من معاناة المرضى، بل يساهم أيضاً في بناء مغرب أكثر إنصافاً، وتضامناً، واحتراماً لكرامة الإنسان.

إلى صناع القرار، وإلى المؤسسات، وإلى المهنيين، وإلى كل مواطن: لقد حان الوقت لنفتح أعيننا على هذه الحقيقة، ونجعل من الصحة النفسية أولوية واقعية وإنسانية ومستدامة. إن ثمن الصمت والتأجيل باهظ جداً: أرواح محطمة، أسر منهكة، ومستقبل مهدور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock