أخباراقتصادوطني

الغضب يتصاعد داخل مديرية الخزينة العامة للمملكة بعد تحويل 92 قباضة إلى مصالح جماعية تابعة لوزارة الداخلية

هند جوهري

يشهد القطاع المالي المغربي توتراً جديداً، عقب إصدار موظفي مديرية الخزينة العامة للمملكة بياناً شديد اللهجة عبّروا فيه عن استنكارهم لما وصفوه بـ”الأوضاع المهنية المهينة” التي يعيشونها إثر إعادة تخصيص 92 مقراً للقباضات المالية وتحويلها إلى قباضات جماعية تحت إشراف وزارة الداخلية، دون توفير بدائل تضمن استمرارية المرفق العمومي في ظروف ملائمة.

فبحسب البيان الصادر بتاريخ أواخر دجنبر 2025، فإن عملية التحويل تمت “بشكل فوقي وسريع”، حيث جرى تغيير مفاتيح المقرات واللوحات الإدارية دون تحرير محاضر تسليم رسمية بين المصالح المعنية، واعتبر الموظفون هذا الإجراء “سابقة خطيرة” تمس الأمن المالي والإداري وتخلق حالة “فوضى قانونية” قد تهدد سلامة الوثائق والممتلكات العمومية.

مطالب الموظفين وموقفهم من الوزارة

طالب المحتجون بضرورة المعالجة الفورية لطلبات الانتقال التي تقدم بها موظفو القباضات المتضررون نحو مصالح أخرى تابعة للخزينة العامة أو داخل مديريات وزارة الاقتصاد والمالية، كما حمّل البيان وزيرة الاقتصاد والمالية والوزير المنتدب المكلف بالميزانية كامل المسؤولية عن “التداعيات المهنية والنفسية” التي تطال الأطر الإدارية المتضررة، وفي خطوة تصعيدية، أعلن الموظفون عن برنامج احتجاجي تصاعدي يبدأ في 29 دجنبر 2025، يتضمن:
*ارتداء الشارات الحمراء داخل مقرات العمل.
*الامتناع عن أداء بعض المهام الإدارية والمالية.
*تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر الوزارة بالرباط.
*مع التهديد بإضراب وطني شامل إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم في آجال معقولة.
ووجّه البيان اتهامات مباشرة لبعض الإدارات الترابية باتباع ما سماه “ممارسات سلطوية وإقصائية”، بعد قيامها بتغيير الهوية الإدارية لبعض المقرات “بشكل انفرادي” دون إشراك ممثلي الخزينة العامة، أو الرجوع إلى المساطر القانونية التي تنظم تحويل المرافق العمومية بين القطاعات الوزارية.

واعتبر الموظفون أن هذه القرارات تمس باستقلالية الخزينة العامة للمملكة كمؤسسة مالية تابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، وتتناقض مع مبادئ الحكامة الإدارية والتدبير الشفاف التي نص عليها دستور 2011.

و حتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من وزارة الاقتصاد والمالية حول مضمون البيان أو البرنامج الاحتجاجي المعلن عنه، إلا أن مراقبين يتوقعون أن تشهد الأيام المقبلة حواراً متوتراً بين الأطراف المعنية، خصوصاً أمام حساسية الملف الذي يمس شبكة واسعة من المصالح المالية المحلية، ويرى خبراء في تدبير المالية العمومية أن الحل يكمن في فتح قنوات تواصل مؤسسي عاجل بين الخزينة العامة ووزارة الداخلية، مع إشراك ممثلي الموظفين والنقابات المعنية لتجاوز الاحتقان الحالي وضمان استمرارية المرفق العمومي وفق أسس قانونية سليمة.


فماهو ياترى الإطار القانوني لتحويل القباضات؟….
تحويل جبايات الجماعات الترابية إلى قباضات جماعية جديدة يرتكز على القانون 14.25 المعدِّل لقانون جبايات الجماعات الترابية، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة منظومة الجباية المحلية وتوزيع الاختصاصات بين وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية.

فالمراسلات الوزارية الصادرة عن وزير الداخلية تؤكد أن العملية تمت “بتنسيق” مع الخزينة العامة للمملكة ووزارة الاقتصاد والمالية، مع التنصيص على إخلاء وتجهيز المباني وتخصيص رموز تعريفية للمقرات الجديدة وربطها بالنظام المالي، ما يعني أن التحويل له أساس قانوني عام، لكن طريقة التنزيل الميداني تبقى محل جدل.
فالخزينة العامة للمملكة جهاز مركزي تابع لوزارة الاقتصاد والمالية يتكلف بتحصيل الديون العمومية، ومراقبة وأداء النفقات العمومية، وتدبير المالية المحلية، وإنتاج المعلومات المالية والمحاسبية، وهو ما يجعلها فاعلاً رئيسياً في تدبير أموال الجماعات الترابية. و“القباضات الجماعية” وحدات محاسبية تابعة تنظيمياً للخزينة العامة، يرأسها قابض أو قابض جماعي معين من طرف وزير المالية ويعمل تحت إشراف الخازن العام، ما يعني أن أي تغيير عملي في تبعيتها أو في مهامها يجب أن يحترم تسلسل الاختصاصات والقرارات التنظيمية المشتركة بين الداخلية والمالية.
و كلك فميثاق المرافق العمومية (القانون 54.19) يُلزم الإدارات باحترام مبادئ الشفافية، والاستمرارية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتدبير الجيد عند تنظيم أو إعادة تنظيم المرافق العمومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتحويل مسؤوليات مالية وحسابية حساسة.

علما أن التوجيهات الرسمية تنص على أن عملية نقل الجبايات يجب أن تتم عبر مسطرة تسليم وتسلم موثقة بين قابض الخزينة والقابض الجماعي، تشمل الوثائق والديون والملفات المنازعاتية والبيانات الإلكترونية، تحت إشراف مباشر للمصالح المركزية، وهو ما يجعل أي تغيير مفاتيح أو لوحات إدارية دون محاضر رسمية موثقة ممارسة معيبة قانونياً ومعرِّضة للمساءلة.

ومن زاوية قانون الوظيفة العمومية وحقوق الموظف، تفرض مبادئ الحكامة الجيدة عدم اتخاذ قرارات تنظيمية تمسّ ظروف العمل وكرامة الأطر دون إشراكهم أو على الأقل إخبارهم وإتاحة حلول انتقال أو إعادة انتشار تحترم وضعياتهم الإدارية والأسرية. فاحتجاجات موظفي الخزينة وربطهم بين تحويل المقرات وغياب مقرات بديلة، واعتبارهم أن ما وقع “طرد غير مباشر” أو “تعامل سلطوي”، تستند إلى كون الإجراءات اللوجستيكية استُعجل تنزيلها ميدانياً قبل استكمال الحلول التنظيمية والموارد البشرية التي أشارت إليها مراسلات الداخلية والخزينة العامة نفسها.
وعموما فمن الناحية المبدئية، إصلاح الجبايات المحلية عبر إحداث 92 قباضة جماعية جديدة يمكن اعتباره خطوة في اتجاه تحديث التدبير المالي للجماعات وتحسين المردودية، شريطة احترام الإطار القانوني ومساطر الشفافية والحماية المحاسبية، غير أن التوتر الحالي يكشف فجوة بين منطق “الإصلاح التقني” ومنطق “الإستقرار المهني”، إذ يبدو أن التركيز على سرعة تنزيل القانون 14.25 فاقَ الاهتمام بضمان انتقال سلس يحفظ الأمن المالي والإداري وحقوق الموظفين، ما يبرر المطالبة العاجلة بحوار مؤسسي ثلاثي: وزارة الداخلية – وزارة الاقتصاد والمالية – تمثيليات موظفي الخزينة، لإعادة ضبط المساطر، وتوثيق عمليات التسليم والتسلم، ومعالجة ملفات الإنتقال قبل أي خطوة تصعيدية جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock