مقالات واراء

الهجرة غير الشـ ـرعية… الوجه الخفي للعولمة بين حلم الشباب وإمبراطورية الجريمة المنظمة

✍️الكاتب عثمان الشريف / صحفي و محلل سياسي

في كل ليلة تغادر قوارب متهالكة السواحل الليبية، وتعبر مجموعات من الشباب الصحارى الممتدة من السودان وتشاد والنيجر نحو شمال أفريقيا، يحملون معهم حلماً واحداً: الوصول إلى أوروبا. غير أن هذا الحلم يتحول في كثير من الأحيان إلى مأساة إنسانية، أو إلى سلعة تتاجر بها شبكات الجريمة المنظمة التي وجدت في الهجرة غير الشرعية واحدة من أكثر الأنشطة الإجرامية ربحاً في العالم.

لم تعد الهجرة غير الشرعية قضية حدود أو تأشيرات، بل أصبحت ملفاً أمنياً وإنسانياً وتنموياً تتقاطع فيه مصالح الدول، وتتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع النزاعات المسلحة، والفقر مع الجريمة المنظمة، والتنمية مع الأمن القومي.

وتشير أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) والأمم المتحدة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ نحو 304 ملايين شخص بحلول عام 2024، أي ما يعادل 3.7% من سكان العالم، وهو أعلى رقم يسجل في التاريخ الحديث.

السودان وتشاد وليبيا… الممر الأخطر إلى أوروبا

تمثل السودان وتشاد وليبيا أحد أهم محاور الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي، أصبح دولة منشأ وعبور في آن واحد، بينما تشكل تشاد نقطة انطلاق لآلاف المهاجرين القادمين من غرب ووسط أفريقيا، في حين تحولت ليبيا، نتيجة الانقسام السياسي والانفلات الأمني، إلى البوابة الرئيسية نحو السواحل الأوروبية.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط، الممتدة من السواحل الليبية إلى إيطاليا ومالطا، ما تزال أخطر طريق للهجرة في العالم، حيث يفقد آلاف الأشخاص حياتهم أو يختفون سنوياً أثناء محاولة العبور. كما تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى تسجيل ما يقارب 25 ألف وفاة أو حالة فقدان لمهاجرين خلال أربع سنوات فقط، مع احتمال أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب عدم توثيق جميع الحوادث.

اقتصاد خفي يدر مليارات الدولارات

وراء كل رحلة هجرة غير شرعية تقف شبكات إجرامية عابرة للحدود تمتلك وسائل نقل ووثائق مزورة وخطوط تهريب تمتد من أفريقيا حتى أوروبا.

وتعد تجارة تهريب البشر اليوم من أكثر الأنشطة الإجرامية ربحاً عالمياً، إلى جانب تجارة المخدرات والأسلحة وغسل الأموال، حيث تستغل هذه الشبكات حاجة الشباب وتفرض عليهم مبالغ مالية كبيرة مقابل رحلة قد تنتهي بالموت في الصحراء أو الغرق في البحر.

ولم تعد هذه الشبكات تكتفي بتهريب المهاجرين، بل توسعت أنشطتها لتشمل الاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي، والعمل القسري، وتجنيد الأطفال، وتزوير الوثائق، وهو ما يجعل الهجرة غير الشرعية تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي.

أوروبا… بين الحاجة إلى العمالة والخوف من الهجرة

ورغم الخطاب السياسي المتشدد في كثير من الدول الأوروبية، فإن الواقع الاقتصادي يكشف صورة أكثر تعقيداً.

فالقارة الأوروبية تعاني انخفاض معدلات المواليد وارتفاع نسبة كبار السن، الأمر الذي خلق نقصاً في العمالة في قطاعات الزراعة، والبناء، والصناعة، والرعاية الصحية والخدمات.

ولهذا يسهم كثير من المهاجرين في سد هذا العجز، كما يدعمون النمو الاقتصادي ويزيدون الإنتاجية في العديد من الدول الأوروبية، وإن كان ذلك يتم في كثير من الأحيان عبر وظائف منخفضة الأجر أو ظروف عمل صعبة.

الوجه المشرق للهجرة

ورغم المخاطر، لا يمكن إنكار أن للهجرة آثاراً إيجابية عندما تتم بصورة قانونية ومنظمة.

فالمهاجر يحسن مستوى دخله ويؤمن حياة أفضل لأسرته، بينما تستفيد الدول المرسلة من التحويلات المالية التي أصبحت أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن تحويلات المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية بلغت نحو 905 مليارات دولار خلال عام 2024، وهو رقم يعكس الدور الاقتصادي الكبير للهجرة في دعم ملايين الأسر حول العالم.

أفريقيا تدفع الثمن الأكبر

لكن الثمن الحقيقي تدفعه الدول الأفريقية.

فالهجرة المستمرة للشباب تعني فقدان الطاقات المنتجة، ونقص الأيدي العاملة الماهرة، وهجرة الأطباء والمهندسين والفنيين وأصحاب الخبرات، وهو ما يؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي، وتأخير التنمية، وزيادة الاعتماد على الخبرات الأجنبية.

وفي السودان، حيث يعيش الاقتصاد أصلاً تحديات كبيرة بسبب الحرب والأوضاع السياسية، فإن استمرار نزيف الشباب يمثل خسارة مزدوجة، إذ تخسر البلاد أهم عناصر البناء والإنتاج، بينما تستفيد منها اقتصادات أخرى.

كما تؤدي الهجرة إلى تفكك الأسر، وارتفاع معدلات الاتجار بالبشر، واستغلال النساء والأطفال، وانتشار الاقتصاد غير المشروع، وتنامي نفوذ العصابات العابرة للحدود.

الحل يبدأ من الداخل

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الحل الأمني وحده لا يوقف الهجرة غير الشرعية.

فبناء الجدران وتشديد الرقابة قد يقللان من حركة المهاجرين مؤقتاً، لكنهما لا يعالجان الأسباب الحقيقية للهجرة، والمتمثلة في الفقر، والبطالة، والحروب، وضعف الخدمات، وغياب الاستقرار السياسي.

إن الاستثمار في التعليم، وخلق فرص العمل، وتشجيع ريادة الأعمال، وتعزيز الحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، وتوسيع مسارات الهجرة القانونية، تمثل حلولاً أكثر استدامة من الاكتفاء بالإجراءات الأمنية.

ختاما

الهجرة غير الشرعية ليست رحلة يعبر فيها شاب البحر بحثاً عن مستقبل أفضل، بل هي مرآة تعكس حجم الاختلال في النظام الاقتصادي العالمي، وفشل التنمية في كثير من الدول النامية، ونجاح الجريمة المنظمة في استثمار اليأس الإنساني.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستظل أفريقيا تصدر شبابها إلى المجهول، أم تنجح في صناعة مستقبل يجعل أبناءها يختارون البقاء للمشاركة في بناء أوطانهم بدلاً من الهروب منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock