مقالات واراء

حزب العدالة والتنمية بين الخطاب المغازل لإيران وادرعها،و الرؤى الإستراتيجية للبلاد : حسابات خطاب الهرولة الانتخابية ، أم مصلحة الوطن ؟

مكتب اسفي. فؤاد الياجيزي.

في قلب النقاش العام الذي يختلط فيه السياسي بالإيديولوجي والإقليمي، يبرز دور الأحزاب كمنظّمات لا تُقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى السلطة، بل أيضاً بمدى مسؤوليتها عن إدارة الشأن العام وحماية المصالح الوطنية. حزب العدالة والتنمية — الذي لعب دوراً بارزاً على مسرح السياسة المغربية خلال العقدين الماضيين — يواجه اليوم انتقادات حادة تتجاوز الخلاف الحزبي لتلامس أبعاداً استراتيجية واستحقاقات اجتماعية واقتصادية حيوية.
أولاً: خطاب متأرجح وتأثيراته الإقليمية
لقد تبنّى جزء من الخطاب السياسي للحزب مواقف قريبة من محاور إقليمية وإيديولوجيات لا تتماشى دائماً مع المصالح الاستراتيجية للمملكة. هذا التقارب، سواء في الخطاب أو في بعض المواقف الخارجية، خلق لبساً لدى الرأي العام حول أولويات الحزب بين الالتزامات الوطنية والانخراط في أجندات إقليمية تثير انسجامها مع السياسات المغربية. في بيئة إقليمية حساسة، فإن أي ميل نحو تبنّي مواقف توحي بالتعاطف مع محاور مناقضة لمصالح المغرب يضع الحزب في تصادم مع منطق السياسة الخارجية التي تعتمد الواقعية والمصالح الوطنية.
ثانياً: موقف داخلي يضعف الثقة المؤسساتية
على الصعيد الداخلي، فإن الأسلوب الذي اعتمده الحزب في إدارة الملفات الحسّاسة — سواء عبر أولويات سياساته أو عبر مقاربة التواصل مع شركاء الحكم — أسفر عن تآكل جزئي في ثقة الشركاء المؤسساتيين والأحزاب الأخرى. هذا التوتر انعكس أحياناً في تعثر القدرة على بناء أغلبية مستقرة أو تنفيذ سياسات تشاركية فعّالة. في نظام سياسي يعتمد التوافق المؤسسي، فإن تذبذب اللغة السياسية والمزايدات الإيديولوجية يفسح المجال لسياسات قصيرة الأمد بدلاً من مشاريع إصلاحية ذات استمرارية.
ثالثاً: إخفاقات اقتصادية واجتماعية ملموسة
لا يمكن فصل النقد السياسي عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت فترات إدارة الحزب. خلال ولايتين حكوميتين متعاقبتين، شهدت عدة قطاعات تأخراً في إصلاحات جوهرية: البطالة بين الشباب بقيت مرتفعة، معدلات النمو لم ترتقِ بما يلبّي تطلعات التوظيف الواسع، والبرامج الاجتماعية ــ رغم بعض المبادرات الجزئية ــ لم تعالج بشكل كافٍ هشاشة الفئات الأكثر تضرراً. يشير الملاحظون إلى أن غياب رؤية اقتصادية متماسكة ولمسات إصلاحية جريئة أدى إلى فجوة بين الخطاب الانتخابي والتطبيق الحكومي، مع انعكاسات اجتماعية تمثلت في تصاعد شعور الإحباط والاحتقان في صفوف شرائح واسعة من المواطنين.
رابعاً: المناورة الانتخابية واستهداف شرائح هشّة
في سياق استعدادات الانتخابات المقبلة، ثمة مؤشرات على مناورات تجذب قاعدة واسعة من الناخبين البسطاء عبر خطابات اجتماعية واستجدائية. مثل هذه الاستراتيجية قد تُقرأ كمسعى لاستعادة الزخم الانتخابي من خلال إعادة إنتاج وعود لم يتم تنفيذها سابقاً. مخاطبة المَشاعر الاجتماعية دون تقديم آليات تنفيذ واضحة يهدّد بزيادة إحباط الناخبين إذا لم تترجم هذه الخطابات إلى برامج قابلة للقياس والتنفيذ.
خامساً: الموازنة بين النقد والمسؤولية الوطنية
النقد السياسي واجب، خاصة عندما يمس السياسات العامة وحياة المواطنين. ومع ذلك، فإن تقييم أداء الأحزاب يجب أن يبقى مؤسسيّاً ومنطقيّاً، مبنياً على معطيات قابلة للتحقق وليس اتهامات غامضة. المطالبة بمحاسبة سياسية حقيقية تستلزم مؤشرات أداء واضحة: نتائج اقتصادية ملموسة، مؤشرات اجتماعية قابلة للقياس، وضمانات شفافية في اتخاذ القرار.
خلاصة مقترحة للدفاع عن المصلحـة الوطنية
الحوار العام في المغرب يحتاج إلى نقاش مؤسسي جادّ حول كيفية توجيه الخطاب السياسي وتحويله إلى سياسات تخدم المصلحة الوطنية. المطلوب من جميع الفاعلين السياسيين، بمن فيهم حزب العدالة والتنمية، تبنّي برامج واضحة الإصلاح، والالتزام بمبدأ الشفافية، والعمل على إعادة بناء الثقة مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. إذا كانت الأولويات الحزبية لا تتسق مع الحسابات الاستراتيجية للمملكة، فإن من واجب الفاعلين السياسيين والمجتمعيين كشف ذلك عبر أدوات سياسية وقانونية وأخلاقية، وليس عبر نزاعات تستغل هشاشة المواطنين لكسب مواقع هشة في المؤسسات.
في النهاية، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل النقد إلى آليات إصلاح: برامج اقتصادية قابلة للتنفيذ، خارطة طريق اجتماعية تقلص الفوارق، وسياسة خارجية متزنة تحترم ثوابت المغرب وتُعزّز مصالحه. هذا نهج يحتفظ بالحزم النقدي ويضبطه بروح وطنية مؤسسية تصب في مصلحة الاستقرار والازدهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock