ثقافة وفن

«رع 2».. رحلة آسفية عابرة للمحيط تستعيدها ذاكرة متحف عبد العزيز المودن

مكتب أسفي؛ فؤاد الياجيزي

تستعيد مدينة آسفي، من خلال متحف جامع التحف عبد العزيز المودن، فصلاً مميزاً من تاريخها البحري والعلمي، اِرتبط برحلة السفينة «رع 2» التي قادها المستكشف والأنثروبولوجي النرويجي الراحل؛ ثور هايردال سنة 1970، وشارك فيها المغربي المرحوم مدني آيت أوهني، ممثلاً للمغرب ضمن طاقم دولي متعدد الجنسيات.
انطلقت رحلة «رع 2» من ميناء آسفي يوم 17 ماي 1970، بعد عشرة أشهر تقريباً من تجربة أولى، حملت اسم «رع1». وقد شُيدت السفينة الثانية من نبات البردي على يد أربعة صناع من شعب الأيمارا بمنطقة بحيرة تيتيكاكا، اعتماداً على تقنيات تقليدية في صناعة القوارب النهرية والبحرية.
وضمّ الطّاقم، إلى جانب القائد ثور هايردال، كلاً من الأمريكي نورمان بيكر، والإيطالي كارلو موري، والروسي يوري سينكيفيتش، والمكسيكي سانتياغو خينوفيس، والياباني كي أوهارا، والمصري جورج سوريال، إضافة إلى المغربي مدني آيت أوهني.
وقد قطعت سفينة «رع 2» مسافة تقارب 6100 كيلومتر، في رحلة استغرقت 57 يوماً، وانتهت في جزيرة باربادوس بمنطقة الكاريبي. وكان الهدف العلمي من الرحلة يتمثل في اختبار إمكانية التواصل بين حضارات قديمة على ضفتي المحيط الأطلسي بواسطة سفن مصنوعة من القصب أو البردي، قبل رحلات كريستوف كولومبوس بقرون.
لم تكن مشاركة السيد مدني آيت أوهني في الرحلة مجرد حضور رمزي، بل شكلت جزءاً من البعد الدّولي والعلمي لهذه المغامرة البحرية. فقد كان ضمن طاقم جمع جنسيات وثقافات متعددة، في تجربة أراد هايردال من خلالها أيضاً إبراز قدرة أفراد مختلفين على التعاون في ظروف بحرية قاسية وممتدة.
وخلال الرحلة، أجرى أفراد الطاقم ملاحظات حول مظاهر التلوث التي بدأت تطبع سطح المحيط الأطلسي، ولا سيما الكتل النفطية العائمة.
وتشير معطيات متحف «كون-تيكي» في أوسلو إلى أن آثار النفط رُصدت خلال 43 يوماً من أصل 57 يوماً هي مدة الرحلة، قبل أن تُرفع هذه الملاحظات إلى الأمم المتحدة.وبذلك، اكتسبت رحلة «رع 2» بعداً بيئياً إضافياً، إلى جانب أبعادها التاريخية والأنثروبولوجية والبحرية، لتتحول إلى وثيقة مبكرة بشأن تنامي التلوث في المحيطات.
وتحتفظ العاصمة النرويجية أوسلو بذاكرة رحلة «رع 2» داخل متحف «كون-تيكي»، الذي يضم السفينة الأصلية التي عبرت المحيط الأطلسي، فضلاً عن خرائط ووثائق ومقتنيات مرتبطة برحلات ثور هايردال الاستكشافية.
ويمنح المتحف للزائر فرصة استحضار تفاصيل الرحلة، من خلال معاينة السفينة التي صُنعت من البردي، والتعرف على ظروف الإبحار والوسائل التقليدية التي اعتمدها الطاقم خلال عبوره الأطلسي. كما يبرز المتحف مكانة آسفي باعتبارها نقطة الانطلاق المغربية لهذه المغامرة التي ربطت بين إفريقيا والكاريبي. ولا تقتصر أهمية المتحف على عرض السفينة، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم تجربة ثور هايردال العلمية والاستكشافية، بما فيها رحلتا «رع1» و«رع 2»، والنتائج التي خلُص إليها بشأن إمكانات الملاحة القديمة، والتواصل بين الحضارات.
وفي قلب المدينة العتيقة بآسفي، يخصّص متحف السيدعبد العزيز المودن جناحاً خاصاً للصور والوثائق المرتبطة برحلة «رع 2»، وبقائدها ثور هايردال. ويضم هذا الفضاء صورة مكبرة للمستكشف النرويجي رفقة الملك الراحل الحسن الثاني، إلى جانب مجسم مصغر للسفينة، تسلّمه المتحف هدية من أسرة هايردال.
ويشكل هذا الجناح جزءاً من مشروع المودن، الرّامي إلى حفظ الذاكرة المحلية والوطنية، من خلال جمع المقتنيات والصور والوثائق التي تؤرخ لمحطات بارزة من تاريخ آسفي وعلاقاتها الثقافية والإنسانية مع العالم.ويضم المتحف، آلاف القطع التي توثق جوانب متعددة من التراث المغربي والآسفي، من الحرف التقليدية والملابس والآلات الموسيقية إلى أدوات الصيد والصناعة والوثائق والصور التاريخية وغيرها كثير…
وفي سياق الاعتراف بالمجهودات المبذولة للتعريف برحلة «رع 2» وصلتها بمدينة آسفي، حظي السيد عبد العزيز المودن باستقبال من طرف سفيرة النرويج السابقة لدى المغرب، يوم 8 يوليوز 2024 بالعاصمة الرباط. وقد شكل اللقاء مناسبة لتثمين مبادرته في صيانة الذاكرة المرتبطة بالرحلة والتعريف بأبعادها التاريخية والإنسانية. وخلال هذا اللقاء، أهدت السفيرة للمودن مجموعة من الكتب الموقعة من طرف قائد الرحلة الراحل ثور هايردال، وهي وثائق تكتسي قيمة رمزية وتاريخية خاصة، بالنظر إلى صلتها المباشرة بصاحب الرحلة وبالتجربة التي انطلقت من آسفي نحو الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.
إن قصة «رع 2» تتحاوز حدود مغامرة بحرية عابرة للمحيط، لتجسّد تقاطعاً بين التاريخ والعلم والثقافة والدبلوماسية. فقد جمعت الرحلة بين مستكشف نرويجي، وطاقم دولي، وميناء مغربي، ومدينة كاريبية، قبل أن تستقرّ ذاكرتها المادية في متحف أوسلو، وتجد صداها المحلي داخل متحف آسفي.
ومن خلال الجناح الخاص بالرحلة، يعمل عبد العزيز المودن على إبقاء هذه الذاكرة حية في الوعي الجماعي، وربط الأجيال الجديدة بمحطة من تاريخ مدينتهم البحري، وبالدور الذي اضطلعت به آسفي في احتضان واحدة من أشهر التجارب الاستكشافية في القرن العشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock