مقالات واراء

الموصل تنهض بأبنائها.. حين تستعيد المدينة صوتها

✍️تمار عامر / العراق

 

في المدينة القديمة، لا يبدو البيت الموصلي التراثي مجرد جدران تحفظ شكل الماضي، بل ذاكرة مفتوحة على الحاضر. من بين أبوابه الحجرية ونقوشه وتفاصيله الصغيرة، يمكن للمرء أن يلمس شيئًا من روح مدينة لم تكن يومًا مجرد مكان، بل مساحة التقت فيها الحكاية بالموسيقى، والطعام بالعادات، والعمارة بحياة الناس.

 

ومن هنا أجد أن الحديث عن نهوض الموصل لا ينبغي أن يبدأ من عدد الأبنية التي أُعيد ترميمها، ولا من حجم ما تهدم خلال سنوات الحرب، وإنما من سؤال أبسط وأعمق: هل استعادت المدينة صوتها؟

 

فالحروب لا تهدم الحجر وحده. أحيانًا تترك أثرها على صورة المكان في عيون الآخرين، وعلى الطريقة التي يتحدث بها أهله عن أنفسهم. وحين تختزل مدينة كاملة في أخبار الحرب والدمار والنزوح، تضيع جوانب أخرى من حكايتها؛ موسيقاها، مطبخها، فنونها، أسواقها، وناسها الذين ظلوا يحاولون الحياة رغم كل شيء.

 

ولعل الموصل اليوم تستعيد بعض هذا الصوت من تفاصيلها نفسها.

 

من مقام النبي يونس، الذي بقي حاضرًا في ذاكرة أهل المدينة، إلى الموسيقى التي حملها الملا عثمان الموصلي خارج حدود المكان، وصولًا إلى الأكلات الموصلية التي تختزن في مذاقها ذاكرة البيوت والعائلات، تبدو الثقافة هنا ليست شيئًا منفصلًا عن الحياة، وإنما إحدى الطرق التي يتعرف بها الناس إلى أنفسهم من جديد.

 

لكن روح الموصل لا تختصر في فنونها وموسيقاها ومطبخها. فالدين أيضًا كان جزءًا أساسيًا من تكوين المدينة، كما كان التنوع الديني والاجتماعي أحد ملامحها التي صنعت خصوصيتها. فقد عاشت في الموصل مكونات وطوائف متعددة، وكان المسلمون والمسيحيون وغيرهم جزءًا من نسيج اجتماعي تشكل عبر الحياة اليومية والجيرة والأسواق والعمل والعلاقات الإنسانية.

 

ولهذا فإن استعادة الموصل لا تعني استعادة الحجر وحده، ولا إعادة بناء ما تهدم من المباني فقط، بل تعني أيضًا استعادة تلك الروح التي كانت تتسع للاختلاف، وتحفظ لكل مكوّن حضوره في ذاكرة المدينة. فالموصل التي تستعيد عافيتها اليوم ليست مدينة بصوت واحد، وإنما مدينة متعددة الأصوات، تتسع لذاكرة أبنائها جميعًا.

 

حتى علاقتها الثقافية مع مدن أخرى، ومنها حلب، تذكرنا بأن المدن العربية لم تكن جزرًا معزولة؛ كانت بينها طرق للتجارة والثقافة والموسيقى والطعام، وانتقلت عبرها التأثيرات والحكايات جيلًا بعد جيل. وكذلك فإن جامع النوري، بما يحمله من حضور في ذاكرة الموصل، لا يُقرأ اليوم باعتباره معلمًا تاريخيًا فقط، بل بوصفه جزءًا من صورة مدينة تحاول أن تستعيد ملامحها بعد أن أصابها ما أصابها.

 

لكن الذاكرة لا تستطيع أن تعيش وحدها.

 

وهنا يأتي دور الشباب، بناتٍ وشبابًا.

 

فما يلفت النظر في الموصل اليوم ليس فقط ما تقوم به المؤسسات، وإنما المبادرات التي خرجت من داخل المجتمع نفسه. جيل جديد يقترب من مدينته لا باعتبارها ماضيًا يجب البكاء عليه، وإنما باعتبارها مكانًا يمكن أن يصنع فيه شيئًا جديدًا.

 

ومن أجمل الأمثلة على ذلك بيت تراث الموصل؛ إذ لم يعد البيت التراثي مجرد بناء محفوظ من الاندثار، بل أصبح مساحة لاستعادة المقتنيات والحكايات والعادات التي تشكل الذاكرة الموصلية. وهذه الفكرة في حد ذاتها مهمة؛ لأن حماية التراث لا تعني إبقاءه خلف الزجاج، وإنما جعله قادرًا على الوصول إلى جيل جديد.

 

والأمر نفسه يمكن رؤيته في المبادرات الثقافية والشبابية التي أعادت الكتاب إلى الشارع، وفتحت مساحات للقراءة والفن والحوار. فحين يجتمع الشباب حول كتاب أو موسيقى أو فعالية ثقافية، فإنهم لا يمارسون نشاطًا ترفيهيًا فحسب؛ إنهم يعيدون بناء علاقة المجتمع بالحياة العامة.

 

ومن هنا يصبح التطوع أكثر من حملة مؤقتة لتنظيف مكان أو مساعدة شخص. يصبح طريقة يقول بها الإنسان: هذه المدينة تعنيني، وأنا جزء من مستقبلها.

 

والشباب الذين يشاركون اليوم في هذه المبادرات لا يمثلون فئة عمرية تنتظر المستقبل فقط، بل هم جزء من صناعة هذا المستقبل. الشاب الذي يحمل كاميرا ليوثق شارعًا قديمًا، والشابة التي تكتب عن مدينتها، والفنان الذي يستعيد لونًا من ألوانها، والمتطوع الذي يشارك في مبادرة ثقافية أو مجتمعية؛ جميعهم يساهمون، كل بطريقته، في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومدينته.

 

لكن هناك جانبًا آخر من استعادة الصوت يستحق التوقف عنده: الإعلام.

 

فالمدينة التي لا تروي قصتها بنفسها، قد يرويها الآخرون عنها.

 

وعلى مدى سنوات الحرب، ارتبط اسم الموصل في كثير من التغطيات بالأحداث الأمنية والدمار والنزوح، حتى كادت هذه الصورة تطغى على وجوه أخرى للمدينة. لم يكن ذلك يعني غياب الإعلام عنها، بقدر ما يعني أن صوت الحرب كان أعلى من أصوات الثقافة والحياة اليومية.

 

وهنا تظهر أهمية الإعلام المحلي، وأهمية أن يمتلك أبناء المدينة القدرة على توثيق حياتهم والحديث عنها من زوايا مختلفة؛ أن يكون هناك من يصور البيت التراثي، ومن يكتب عن الموسيقى، ومن يوثق الحرف والمطبخ والأسواق، ومن يروي قصص التنوع الاجتماعي والديني في المدينة، ومن يسأل الشباب عن أحلامهم، ومن يمنح المجتمع مساحة ليقول ما يريد أن يقوله بصوته.

 

فالإعلام في هذه الحالة لا يكون مجرد ناقل لما يحدث، بل شريكًا في إعادة تشكيل الصورة التي تُعرف بها المدينة. وكل قصة تُروى عن موصل الثقافة والفن والعمل والحياة اليومية، تقف في مواجهة الصورة الوحيدة التي فرضتها سنوات الحرب.

 

وعندما يعود البيت التراثي إلى الحياة، أو يعود الكتاب إلى الرصيف، أو تعود الموسيقى إلى فضاء المدينة، أو يستعيد الشباب علاقتهم بالمكان، أو تُروى ذاكرة مكونات المدينة المختلفة، فإن الموصل لا تستعيد الماضي فقط؛ إنها تستعيد تعدد أصواتها، وتفتح المجال أمام جيل جديد ليضيف صوته إلى هذه الذاكرة.

 

وهذا ما يجعلني أعتقد أن إعادة إعمار المدن لا يمكن أن تكون مشروعًا عمرانيًا فقط.

 

نحتاج إلى أن تعود الجدران، نعم، لكننا نحتاج أيضًا إلى أن تعود الثقة. نحتاج إلى أن يجد الشاب والشابة فرصة، وأن يجد الفنان جمهوره، وأن يجد الصحفي الحرية والمساحة ليحكي، وأن يجد التراث طريقه إلى الأجيال الجديدة بدل أن يبقى مجرد صور قديمة. ونحتاج كذلك إلى أن يشعر كل مكوّن من مكونات المدينة بأن ذاكرته وحضوره ومستقبله جزء من صورة الموصل التي يجري بناؤها من جديد.

 

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: كيف نعيد الموصل كما كانت؟

 

فلا مدينة تعود تمامًا إلى ما كانت عليه، ولا الإنسان نفسه يبقى كما كان بعد التجارب الكبرى.

 

السؤال الأجمل هو: كيف نبني موصلًا جديدة تحمل ذاكرتها، دون أن تعيش أسيرة لها؟

 

من بيت تراثي صغير، إلى كتاب على رصيف، إلى نغمة موسيقية، إلى طبق موصلي تحفظه الذاكرة، إلى مسجد وكنيسة وذاكرة حيّ قديم، إلى شاب أو شابة يحمل قلمًا أو كاميرا وينزل إلى الميدان؛ قد تبدو هذه التفاصيل متفرقة، لكنها في حقيقتها تقول شيئًا واحدًا:

 

إن المدن لا تنهض حين تُرمم حجارتها فقط، بل حين يستعيد أبناؤها حقهم في أن يحلموا بها، ويعملوا من أجلها، ويرووا حكايتها بأصواتهم جميعًا.

 

وهنا، ربما، تبدأ الموصل فعلًا في استعادة روحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock