التسامح والتعايش في الوعي المغربي : قيمة تاريخية واستحقاق سياسي

مكتب اسفي / فؤاد الياجيزي
التسامح عند المغاربة ليس شعاراً أو إيديولوجيًة فحسب، بل هو نتاج زخم و تراكم حضاري وثقافي عبر التاريخ، تشكّل عبر سنوات طويلة من تلاقح حضارات وثقافات ،أدّى إلى إندماج هذه الاختلافات الدينية ، والمصالح الاجتماعية المتبادلة.
هذه القيمة – التي يجدها المرء في السّلوك المغربي الشعبي والرسمي اليومي، وفي السرد الوطني، – تحمل أبعادًا دينية تضبطها مرجعيات إيمانية ومورثات تمتح من القرآن والسنة ومن الثقافة المحلية المتوارثة ومن التربية الأخلاقية للمجتمع المغربي، وهوما رسّخ التربية الاجتماعية والدينية على التعايش ، تحمل أبعاداً سياسية اقتضت تحويلها إلى سياسات مؤسّساتية ضمنت الاستقرار والعدالة.
فالقيمة الدينية المبنية على الوسطية رسّخت قيمةالتّسامح في المعاملة والتعامل و الممارسةالاجتماعية الشعبية المستندة إلى مرجعيات أخلاقية وثقافية وحضارية تقليدية ترى في الاختلاف الإيجابي مدخلاً للتراحم والتساكن والرفق.
إن المساجد والزوايا والمناسبات،و المنتديات واللقاءات الروحية، لعبت دوراً في ترجمة هذا الحسّ القيمي إلى عادات يومية، تعود عليها المجتمع المغربي، سواء في حسن استقبال الغريب،أ و حلّ وتدبير الإختلاف عبر حوار الوسطاء المحليين، واحترام خصوصيات العائلات و الديانات و الطقوس و الشعائر .
فالمؤسسات الدينية الرسمية، من هيئة العلماء إلى إدارات الأوقاف،وغيرها اضطلعت بمسؤولية الحفاظ على هذه القاعدةالقيمية و الثقافية وتعمل منذ زمن ضارب في القدم على تدعيمها، عبر الخطباء ومن خلال مناهج تعليمية لإبراز قيم الوسطية والاعتدال، ثم إنّ الاستقرارالمؤسساتي.
وعلى مستوى الخطاب السياسي، ساهم كي يصبح التسامح عنصرًا استراتيجيًا، في بلد متعدّد الألسن و اللهجات والعادات والتقاليد والذاكرات و التأثيرات المتبادلة بين أمازيغي، وعربي، وعبري وإفريقي، وإسلامي منصهر في شخصية مغربية بمظاهر محلية متجانسة تحول معها الاختلاف إلى رافعة الانسجام و للاستقرار سمتها سياسة الاعتراف باللغات و الديانات و اللهجات والثقافات المحلية، عملت كلها على الحماية القانونية للأقليات
، ودعمت المبادرات المشتركة لهذا الانسجام، مما جعل كل ذلك يسهم في جعل التسامح والتعايش سياسة عامة لا مجرد أخلاق متداولة، قناعة واقتناعاً أن الإطار المؤسسي الحاضن للجميع يدرأ كل ما من شأنه أن يعرّض المجتمع لاحتكاكات قد تكون طارئة ولأسباب ومسببات أجندات دخيلة على المجتمع قد تتصاعد على نحو اجندات سياسية غريبة على الجسم .الاجتماعي المغربي
لكن ورغم الجذور العميقة لقيم التعايش ، فان التسامح قد يواجه تحديات متزايدة من فرط الاستقطاب السياسي الخارجي المعادي ،والذي قد يتخد من ركوب شعارات بعض الضغوط الاقتصادية، أجندة و شماعة للتأثير على قناعات بعض البسطاء من خلال ما يتم نفثه من سموم عبر شبكات التواصل بخطابات تحاول أن تعيد تشكيل خطاب لتكثيف الانفعالات، فتركب وتتمترس خلف يافطة قضايا تتعلق بحرية التعبير، علماًإنّ التديّن يفرض موازنة دقيقة بين حماية الأمن الروحي للمجتمع وحقوق الأفراد.
إن قدرة المجتمع المدني على لعب دوره التوعوي بين المواطنين، عبر مسارات لتعزيز قيمة التسامح وإدماج قيم التعايش أسوة بدور المدرسة التي من شأنها تطوير مناهج تعليمية تبرز التاريخ المشترك، ومبادئ التعددية، وفنون تدبير حلّ الاختلاف بطريقة منهجية.
ويبقى تعزيز دور المؤسسات الدينية المعتدلة عبر دعم برامج تدريب الأئمة والخطباء على خطاب الوسطية، والابتعاد عن الخطاب التحريضي، إلى جانب اعتماد سياسات حماية الحقوق المكفولة عبر سنّ قوانين تحمي حرية المعتقد والتعبير مع آليات واضحة لمعالجة التجاوزات.
إن دعم المجتمع المدني والحوار المحلي و تمويل مبادرات مشتركة تجمع مكونات المجتمع على مشاريع تنموية وثقافية لتعزيز الثقة المتبادلة،وتنظيم الفضاء الرقمي من خلال سياسات تحفّز المحتوى التربوي والموّجه، من شأنها أن تحدّ من خطاب الكراهية دون إغلاق مساحات التعبير طبقا لنظريتي الحق والواجب .
ويبقى جدير ذكره أن التسامح عند المغاربة قوة تاريخية وحاجة معاصرة. تحوّل هذه القيمة إلى رصيد سياسي حقيقي يتطلب مقاربات متوازنة: سياسات مؤسسية واضحة، خطاب ديني معتدل، ومجتمع مدني فاعل ولصنّاع القرار دور أساسي في تحويل هذا الفهم القيمي إلى ممارسات تضمن التعايش كمنهج مستدام في زمن التوترات والتحولات.



