زها حديد.. ابنة الموصل التي حملت الموصل إلى العالم

✍️ تمار عامر
حين نكتب عن زها حديد، يصعب أن نختصر حياتها في الجوائز والمباني التي صممتها، لأن قصتها بدأت قبل أن تصبح واحدة من أشهر المعماريين في العالم. بدأت في بغداد، داخل عائلة عراقية لها جذور موصلية، وفي زمن كانت فيه بغداد مدينة مفتوحة على التعليم والفن والأفكار الحديثة.

لم تكن زها حديد ابنة بيت عادي. فقد نشأت في عائلة عراقية مثقفة، كان والدها محمد حديد شخصية سياسية واقتصادية بارزة، شغل منصب وزير المالية في العراق، وكانت والدتها وجيهة الصابونجي مهتمة بالفن. وفي هذا البيت، لم يكن التعليم أمرًا ثانويًا، بل جزءًا أساسيًا من الحياة، كما عاشت زها طفولتها في بغداد في زمن كانت فيه المدينة تشهد انفتاحًا ثقافيًا واجتماعيًا لافتًا. وتقول زها في حديث عن طفولتها إن الرياضيات والرسم والموسيقى وقراءة الكتب كانت حاضرة في حياتها، وإن والديها لم يضعا حدودًا بين العلم والإبداع.
ولدت زها محمد حديد في بغداد عام 1950. كانت طفولتها محاطة بالتعليم والفن، وهو ما انعكس لاحقًا على شخصيتها وطريقتها في التفكير. وفي خطاب قبولها جائزة بريتزكر، تحدثت عن شقيقيها اللذين كانا يمزحان معها ويقترحان عليها أن تصبح أول رائدة فضاء عراقية أو أن تدرس العمارة في روسيا. تفاصيل صغيرة من طفولتها، لكنها تكشف أن فكرة اختيار طريق مختلف لم تكن بعيدة عن حياتها منذ البداية.

درست زها الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1968 و1971، ثم انتقلت إلى لندن عام 1972 لدراسة العمارة في الجمعية المعمارية، إحدى أهم مدارس العمارة في العالم. تخرجت عام 1977، وعملت بعد ذلك مع المعماري الهولندي ريم كولهاس في مكتب العمارة المتروبولية، قبل أن تبدأ مكتبها الخاص في لندن عام 1979.
منذ البداية كانت طريقة زها مختلفة. الرسم بالنسبة إليها لم يكن مجرد وسيلة لتقديم مشروع، وإنما وسيلة للتفكير واكتشاف شكل جديد للمكان. تأثرت بالفن الطليعي الروسي، وخصوصًا أعمال الفنان كازيمير ماليفيتش، واستخدمت الرسم واللوحات في تطوير أفكارها المعمارية.

في عام 1983 حصلت على شهرة واسعة بعد فوزها بمسابقة تصميم «ذا بيك» في هونغ كونغ. المشروع لم يُنفذ، لكنه كان نقطة مهمة في مسيرتها، لأنه أظهر للعالم أسلوبها المختلف في التعامل مع الخطوط والفراغ والحركة. وبعدها استمرت سنوات وهي تفوز بمسابقات وتقدم مشروعات جريئة، بينما بقي جزء كبير من أفكارها على الورق.
لكن زها واصلت العمل، ومع تطور التكنولوجيا ووسائل التصميم أصبحت الأفكار التي كانت تبدو صعبة التنفيذ أكثر قابلية للتحول إلى مبانٍ حقيقية. جاءت محطة إطفاء فيترا في ألمانيا عام 1993، ثم توالت أعمالها في أوروبا وأميركا وآسيا، ومنها مركز روزنتال للفن المعاصر في سينسيناتي، ومتحف MAXXI في روما، والمركز المائي في لندن، ومركز حيدر علييف في باكو، ودار أوبرا غوانغجو في الصين.

في أعمالها تظهر الخطوط المنحنية والمساحات المفتوحة والأشكال التي توحي بالحركة. وكان اهتمامها يتجاوز شكل المبنى نفسه إلى العلاقة بين المبنى والمدينة والإنسان الذي يتحرك داخله، وهو ما جعل أعمالها مختلفة عن السائد في العمارة خلال مراحل مهمة من مسيرتها.
عام 2004 كان محطة أساسية في حياتها، عندما أصبحت أول امرأة تحصل على جائزة بريتزكر للعمارة. جاءت الجائزة بعد سنوات طويلة من العمل والمشروعات التي بقي بعضها دون تنفيذ، قبل أن تبدأ أفكارها تجد طريقها بشكل أكبر إلى المباني التي أصبحت معروفة عالميًا.

بعدها توالت الجوائز والتكريمات. حصلت على جائزة ستيرلنغ البريطانية عامي 2010 و2011، وعُينت «ديم» عام 2012، ثم أصبحت عام 2016 أول امرأة تحصل منفردة على الميدالية الذهبية الملكية للعمارة من المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين، تقديرًا لمسيرتها وإسهامها في العمارة.
ولم تتوقف أعمال زها عند العمارة. فقد عملت في التصميم الداخلي والأثاث والمنتجات والمعارض والمناظر المسرحية، كما شاركت في التعليم الأكاديمي ودرّست في مؤسسات وجامعات من بينها هارفارد وييل وكولومبيا. كانت تجربتها أوسع من تصميم المباني، ولذلك امتد تأثيرها إلى مجالات مختلفة من التصميم والفن.
في 31 مارس 2016، توفيت زها حديد في ميامي عن عمر 65 عامًا إثر نوبة قلبية أثناء تلقيها العلاج من التهاب الشعب الهوائية. جاء رحيلها في وقت كانت فيه مسيرتها لا تزال نشطة، وكانت مشاريع مكتبها تنتشر في مدن مختلفة حول العالم.

بعد رحيلها بقيت أعمالها قائمة في المدن التي وصلت إليها، وبقيت رسوماتها ونماذجها محفوظة ضمن أرشيف كبير تديره مؤسسة زها حديد. ويضم الأرشيف نحو 300 ألف قطعة، تشمل الرسومات والنماذج والتصاميم وأعمالًا من مجالات مختلفة من تجربتها.
وفي عام 2026 عاد اسم زها حديد إلى الواجهة من جديد بعد تغيير اسم المكتب الذي أسسته في لندن إلى «ZHA»، عقب مسار قضائي يتعلق باستخدام اسم زها والاتفاق الخاص بالعلامة التجارية. وأصبح المكتب يواصل عمله باسم جديد، بينما بقي اسم زها حاضرًا في المشاريع والأرشيف والإرث المعماري الذي تركته.
بدأت زها من بغداد، وكانت لعائلتها جذور موصلية، ثم درست الرياضيات في بيروت والعمارة في لندن. مرت بسنوات طويلة لم تجد فيها أفكارها طريقها بسهولة إلى التنفيذ، لكنها استمرت في العمل حتى أصبحت أول امرأة تفوز بجائزة بريتزكر، ثم واحدة من أكثر الأسماء تأثيرًا في العمارة الحديثة.

زها حديد لم تترك خلفها مباني فقط. تركت تجربة كاملة بدأت من عائلة عراقية آمنت بالتعليم والفن، وانتقلت من بغداد إلى بيروت ثم لندن، قبل أن تصل إلى مدن كثيرة حول العالم. وربما لهذا بقي اسمها مرتبطًا بالعراق حتى بعد أن أصبحت أعمالها جزءًا من المشهد المعماري العالمي.
اليوم، وبعد عشر سنوات على رحيلها، لا تزال مباني زها حديد موجودة في مدن مختلفة، ولا تزال رسوماتها محفوظة وأفكارها حاضرة في دراسة العمارة. أما بالنسبة للعراقيين، فتبقى قصتها واحدة من التجارب التي خرجت من بغداد ووصلت إلى العالم، حاملة معها اسم امرأة اختارت أن تجعل من خيالها لغة معمارية يعرفها الناس في أماكن بعيدة عن وطنها.



